Sunday, June 30, 2013,18:51
المُكاتبات - الثانية عشرة
مُفتتح:

"-- you spirit, you disembodied creature, you dear, sweet, tantalizing phantom -- hardly flesh at all;" [Thomas Hardy's "Jude the Obscure"].

تعرفين تلك اللحظاتِ التى ينعقدُ فيها لسانى فجأةً فلا أستطيع سوى التنهدِ، وأبحلقُ فيك فيما يشبه الغباوة! أبتسمُ الآن وأكتب: صدقينى لا تكون عن غباوةٍ تهبطُ علىّ هبوطَ الفجاءة! فقط لا أدرى ما يواتينى فى تلك اللحظاتِ ولا أفهم جوّانيتى، فأصمت عجزا. ليس مجردَ شعورٍ بالرغبةِ فى احتضانِك وضمِّك إلىّ حتى تنعصرَ أضلاعُك وتتفتتَ عظامُك؛ إذ يبدو ذلك هينا جدا مقارنةً بذلك الشعورِ المستغلقِ الذى لا أعرف تحديدا جوهرَه وكنهَه. كما لو أنى أودّ لو استحلْتُ عمودا من الريحِ، وكذلك أنتِ، ثم اصّعّدنا، فتداخلنا، فتمازجنا، فامتزجنا حتى لا يُعرف جُزىءُ الهواءِ لأيِّنا انتمى! ونظلّ كذلك فى الصعودِ كبالونٍ أفلتَ هواءَه فتراقصَ فى الجوِّ عشوائيا وانتشى. كما لو أنى أودّ لو ذوبتُك فى محلولٍ ساخن، ثم عدتُ فاستخلصتُك، وحقنتُك فى أوردتى، فسريْتِ منى مسرى الدم. شىءٌ من هذا القبيل! تُرانى أدمنت؟ يبدو أننى أدمنت!
 
Posted by Muhammad | Permalink | 12 comments
Saturday, June 29, 2013,17:32
المُكاتبات - الحادية عشرة
وأحبّكِ بمعزلٍ عن رقصاتِ جنونِ كلِّ هذا الصخب. العالمُ بالخارجِ مأفونٌ، قد جُنّ فعربد. فخلِّينا لتانجو الداخلِ؛ فهو أكثرُ حميميةً ودفئًا وحياةً وإثارة. لهم سعارُهم، ولنا خلاصُنا. والحبّ – الذى أفهمُهُ – خلاصٌ؛ قرارٌ بالخلاصِ، وفرارٌ إلى الخلاصِ، وحضورٌ فى الخلاص. وأنتِ – يا صديقتى – خلاص. الحبّ واحتُنا فى القيظِ، مظلّـتُنا فى الصقيعِ، مددُنا فى المجاعةِ، رِيّنا فى الجحيم.

وأحبّكِ منذُ فواتحِ الصِّبا تصوّرًا حامَ فى الكونِ حتى وجدكِ فتلبّسكِ واتخذَ صورة. اجتمعتْ روحُ الفكرةِ بالجسدِ، فاستوى خلقًا مكتملَ الهيئةِ موفورَ البدنِ واسعَ العينينِ رقيقًا وطيبا. لو أنك تتلبسيننى بالمثل! لو أنك تحلّينَ فىّ وأحلّ فيك! لو أننا نصيرُ واحدًا، أو نعودُ واحدا! لو أن الروحينِ يندمجانِ، والجسدينِ يلتحمانِ فى مُرَكّبٍ يكونُنا معًا، أو يتجاوزُنا، ويقصرُ الواحدُ منا أن يكونَهُ منفردًا وحيدا! لو أننا!

وأحبّكِ رحلةً وصولُها الموتُ، إمكانيةً تقعُ – أبدًا – وراءَ نفسِها، تشظّـيًا لا التئامَ له، تناقضًا لا سبيلَ إلى انسجامِه، معضلةً لا تُحل. أحبكِ عبثًا وجنونًا ولا جدوى، لغةً دائمةَ الإحالةِ إلى ذاتِها، متفجرةَ الدلالةِ، نسقًا مغلقًا لا يشيرُ إلى الأشياءِ بل يخلقُها ويعيدُ تكوينَ المعانى الـمُرجأةِ أبدًا، نسقًا مغلقًا أنحبسُ فيهِ، وانحباسى فيهِ/فيكِ انعتاقٌ وحرية.

وأحبّكِ حتى أكونَ الذى لم أكنْه، وكلّ ما سأكونُهُ معكِ سأكونُهُ، وأنا طامحٌ – أبدًا – إلى الذى لم أكنْه، فأكون على سفرٍ دائمٍ خلفَ ذاتى التى لا تتحققُ، أبدًا فى الصعود. وليسَ غير أنتِ من يأخذنى إلى الفارسِ الجديد، المستحيلِ المراوغِ المتفلِّت، السائرِ فى صيرورةِ التجدّدِ التى لا تقر، الصائرِ فى سيرورةِ التجدّدِ التى لا تقر، المحكومِ بالتجاوز، الواثبِ فوقَ كلِّ إمكانيةٍ من إمكانيةٍ إلى إمكانية. أنا – بكِ – رحلةٌ وسفر.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 8 comments
Friday, June 28, 2013,09:22
المُكاتبات - العاشرة
كأن الذى عن شِمالى ما كان النيل. كأن التى عن يمينى ما كانت بائعةَ الوردِ الأحمر. كأن الذى خلفى ما كان القمر. وكأنكِ وحدكِ كنتِ هناك فى اتساعِ المدى؛ عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر.

عيناكِ حضنان خجلانان، وأصابعُكِ رقة. وإذ تَحْدِقيننى تُسمِّريننى فى الحب، ولو صبر الناظرُ على المنظورِ لماتَ – فى العشقِ – وحده. فسلامٌ على المحبين – لخاطرِكِ – من لدن آدمَ إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ، ومن أحبوها، ومن أحبوا عليها. وسلامٌ على درويشَ وحمامِهِ وفاكهتِهِ وخاصرتِهِ النازفة. وسلامٌ عليكِ يا قمرَ العواصمِ/قمرى.

فاصل: وأنتِ الملاكُ الذى حين حطّ بقلبى تنهنهَ فيه الغرام
وأورقَ فيه الكلام
فأنبتَ بينى وبينكِ شاىَ الفانيليا
وفيروزَ فى الأغنيات

وأود لو أتغزلُ فيكِ فى انبساطٍ وتبسّط، لو أسميكِ واحةً ومرفأً وتعريشةَ عنبٍ وأقحوانةً وتبغًا، غير أنى كلما هممتُ بالكتابةِ (فيكِ) فاضَ لهفى فأزاحَ من مجراه ما وجد، فطوبى للأثيوبيين بناةِ السدودِ؛ لأن بمقدورهم حجبَ فيضاناتِ التشوّق.

وفاصل: وأنتِ الملاكُ الذى حين حطّ بقلبى تورّدَ بالأمنياتِ
ونقّرَ فيه اليمام
فباحَ بمكنونِ سرِّى إليكِ
ووضّأ دمَهُ على شفتيكِ
وما خافَ فيك الملام

وطِيبتُكِ حاضرةٌ فى المواقفِ اختلافًا وتآلفًا؛ تغضبينَ لألفِ كلمةٍ، وترضينَ لكلمة. وطيبتُكِ جوهرٌ لا يزيلُهُ عَرَضٌ من انفعالٍ أو صدودٍ أو سياسة. وطيبتُكِ هبةٌ لا تكَسّبٌ؛ فلا حيلةَ لك – وإن أردتِ – فى دفعِ ذلك. وطيبتُكِ حياءٌ، وحياؤُكِ طِيبة.

وأنتِ نصّ مُرجأُ المعنى، لا نهائىّ الدلالةِ، مُنفتحٌ على أفقِ التأويل. تبسمينَ لى وتغازليننى وتداعبيننى فأظنّ قربَ امتلاكِ الحقيقة، وأجهدُ فى ملءِ الفجواتِ والشقوقِ، ثم تراوغيننى وتتفلّتينَ منى، رغم ظهورِ الحضور، وحضورِ الظهور؛ أنتِ حاضرةٌ أبدًا، وغائبةٌ أبدًا؛ أنتِ احتمالٌ لا يقينٌ؛ أنتِ سفرٌ لا وصولٌ؛ وأنا عائدٌ – أبدًا – فى خيبةِ المسعى، فى انتظارِ قراءةٍ جديدةٍ، [وكلّ قراءةٍ إساءةُ قراءة]، غيرَ أنى صابرٌ حتى قدومِ الموعدِ (الذى لا يجىءُ) وعاشقٌ ووفىّ.

وإنجيلُنا:
 
Posted by Muhammad | Permalink | 10 comments
Tuesday, June 18, 2013,06:13
بيننا
وأفكّرُ يا أصدقاءُ لو أننا نستمرّ فى تعاطى الحرفِ ههنا حتى المغيب، حتى ابيضاضِ الشعر، حتى سقوطِنا الواحدِ تلوَ الواحدِ فى هُوّةِ الموتِ السحيقة، فنشيعه بقلوبنا ونبكيه ولمّا نلتقِ من قبل. وأفكّرُ لو أن لى معجزاتِ المسيح؛ إذن أمسحَ عنكم – بإذنه – العذابات. إذن أردّ لكم غائبكم الغريبَ الذى يأبى الحضور. إذن آتيَكم بقافلةِ أحلامكم التى تقبع فى قوقعةٍ فريدةٍ ببحرٍ بعيد. إذن أطيبَكم كما طيبتم كلماتِكم بالطّـيِّبِ والطِّـيْب. إذن أريحَكم من شجنِ التذكراتِ، وأشبعَ حنينكم إلى الأمِّ الصغيرة. إذن أمحوَ أسبابَكم الوجيهةَ للذعر. إذن أقيلَكم من عثرةِ كمائنيّةِ الوجودِ، وأفضّ حيرةَ أسئلتكم المستحيلة. إذن أجتثّ قتامتَكم من الأساسِ، فلا يبقى فيكم سوى جذلِ نشيدِ الإنشاد. وبودى لو أقولُ لكم، لكنْ ضاعَ منى الكلام.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 7 comments
Monday, June 17, 2013,01:17
فى الحادية والثلاثين - الثالثة
إذا أحبك ساقك إليه؛ طوعًا، أو مقيّدًا فى سلاسلِ المحن
 
Posted by Muhammad | Permalink | 5 comments
Sunday, June 16, 2013,18:35
سيريالية أو روحى مثقلةٌ هذا المساء
الرحلة طويلة ومؤسية وما من زادٍ؛ الزادُ عزيز. وطريقك ليس يتسع لغيرك، وفى الوحشة تقوم معالمه. عمرٌ انسرب، وما وجدتَ إجابة. ولو سألك عابر وما كان السؤال ما وجد عندك إجابة. مسافات ومسافات تشرذمنا فى الوجيعة، وما من مخاض. والتفاحة التى تقضمها ستنهكك تماما؛ فخلِّصها من كل هذا العناء الذى لا تنكسر رتابتُه، وائتِ على لحمها والبذور. عيناك ناديتان فى النظر؛ فلا هما جفتا ولا هما ارتاحتا فى البكاء. لا شىء مبكٍ، ولا شىء يستفز فيك السرور؛ الأسى – لا سلطانُ – هو قانون الوجود. الأسى – لا الألمُ ولا الملهاويةُ ولا الملالةُ ولا غلافُ الجو – هو الغلالةُ التى تلفنا كـ لندن فى صباحات الضباب. وعلى جسر ويستمنستر سنقف وقفة ووردزورث، غير أننا سنقابل المشهد بصوفية وليم بليك. أعطنى – يا مارّا إلى جوارى فى الطريق الذى لا يتسع لك – واحدةً من سعف النخيل. سعفُ النخيل جميلٌ يا حبيبى، ويداى مجذوذتا الأصابع؛ لأنى أردت أن أمسك قرصَ الشمس. أعطنى الشمس يا حبيبى؛ فإن رئتىّ تتوقان للضوء والحرارة. الدخان ملئى يا حبيبى، وأنا محشوّةٌ قشّا ومثقوبةٌ بالتجاويف. داوِها يا من لم تنادِك الصحراءُ فيأخذك التيه. داوها فقد أعجزنى التشريحُ وأرهقتنى كيمياءُ الأسئلة. داوها فما عندى لها ولا لى دواء. واللوحة تقول إنه ليس غليونا، وأنا أرى الغليون. لماذا تقول اللوحة إنه ليس غليونا يا من تعرف الإجابات؟ ولماذا يصر وودى ألان على كل هذه الثرثرة؟ وما هذا الشىءُ الذى فى أفلام كيسلوفسكى ومستعصٍ على التوصيف؟ لو أنك تبوح! لو أنك فقط تبوح! لو أنك تجالسنى على قارعة الطريق متخففَينِ من كل حِملٍ سوى عذاب الرحلة، وتتلطف بى، وتأخذنى إليك فى جلبابك الفسيح كالمدى، وتقيم لى كرنفالا من الألوان، فآنس إليك، وأنام قليلا! وأنا متعبة يا حبيبى، وقلبى ينتظرك بحب غامر. وأنا أرقب حركاتِ النجومِ والأفلاك، وأصاحب البدرَ والمحاق. أنا البدر يا حبيبى، وأنت المحاق فى الاكتمال. شفتاى مشققتان عطشا، وليس فى الجِرار ماء. تعالَ إلىّ؛ فإنى محاصرةٌ فى المضيق. وأنا أعرف عذاباتكم، وبودى لو أطبِّبها بمعجزاتِ المسيح، غير أن النبوةَ لا تأتى تكسّبا. وأنا أعرف عذاباتكم يا حملانُ ضلت الطريق؛ فأنا مثلكم ضال تتخطفنى الذئاب، والحيرة مئزرى الذى شفّ عن حاجياتى فافتضحت. فلماذا تقولون إن ما فى اللوحة ليس غليونا، وهو غليون؟ ولماذا تسعون عندى إلى المعنى، ولو كنتُ وجدتُه لأوقفتُ السعى واختتمتُ القصيد؟
 
Posted by Muhammad | Permalink | 2 comments
Saturday, June 15, 2013,02:04
المُكاتبات - التاسعة
سأصحو فزعا فى جوف الليل، بعد أن يأخذَك الوسنُ فتطمئنى وتأكلى أرزا مع الملائكة. سأقلقك لصراخى من كابوسٍ مزعجٍ وبكائى، وقد لا أصرخُ لكنْ أبكى وأرتجف. لا تسألينى ما كان، ولا ما بى. خذينى إليك فى صدرك وأشممينى رائحتَك، وطبطبى علىّ، ودعينى أبكى وأرتجفُ ما شئت، حتى أهدأ ويسرقنى الوسن فآكل أرزا مع الملائكة، وفى الصباح سأصحو وكأن شيئا لم يكن، ولن أشير إليه، فلا تشيرى. داويتِنى فى المساء، وكان ذلك كافيا ليمحوَ من نفسى آثارَ الليل.

سأصرخ لأنك لم تكوِ قمصانى وبناطيلى، وسيرتفعُ صوتى، (لكنّ الجيرانَ لن يسمعوه)، وسأشكو الإهمالَ واللا مبالاة وباقى هذه القائمة. لا تأخذى ذلك على محمل الجد وكأننى أعنى ما أقول. لستُ أكثرَ من طفلٍ غضبان. الرجالُ كذلك. والأمّ امرأة.

سأتساخفُ فى أوقاتٍ وأتظارفُ حتى تقولى فى نفسك ما أسخفك! مَرِّرى هذه الأوقات، ولا تفكرى فيها طويلا، أو تتناسى لأجلها ما عداها من أوقاتٍ طيبة. لستُ كاملا بعد كل شىء، ولكلٍّ سخافاتُه.

سأضربك خفيفا فى كتفك، هكذا، حين تفعلين شيئا كبيرا خاطئا. لا تحسبيها ضربة؛ إنها طريقتى فى عتابِ من أحب. لا تصدقين ذلك؟! جربيها معى حين أفعل شيئا كبيرا خاطئا، ولن أغضب. سأحتضنك .. وأعتذر.

سأنشغل عنك أحيانا بالقراءة، فلا تنبّهينى، ولا تعتبى علىّ. خذى الكتابَ من يدى، وطوّحى به. اجلسى مكانه بين يدىّ، وسأقرَؤُك.

سأوقظك فى ليالٍ تشعرين فيها بالتعب وتحتاجين بشدةٍ إلى النوم. لن يكون ذلك عن عدم تقديرٍ ولا مبالاة، لكننا لم نتفق على إمكانِ أن يستشعرَ أحدُنا الوحدةَ بعد أن نكون معا.

اطبخى من الأكلاتِ ما أعرف، ولا داعى مطلقا لممارساتك المطبخيّةِ الملتوية، وكأنك "حنفى فى المعمل". أيا ما كان، سأظل محتفظا بالكارت الأخير لأوقاتِ الضرورة: البناء الضوئى.

وفى الأخير: أنتِ غشاشةٌ كبيرة؛ لأنك ما أنت عليه؛ فما أنت عليه لم يدع لى خيارا فى السقوط. سقطتُ (فيك)، وكان سقوطى هو الخيار الأوحد. أنتِ غشاشةٌ كبيرة يا حبيبتى. أنتِ غشاشةٌ كبيرة.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 12 comments
Friday, June 14, 2013,18:02
تأرجح
قال لى إن السالكَ كذا، والمريدَ كذا، والعارفَ كذا؛ وما كنتُ كذا ولا كذا ولا كذا، بل كنتُ كذا. وكنتُ عازمًا على الخروجِ من كذا إلى كذا، لكنّ كذا شدّتْنى إليها فأقعدَتْنى عن كذا. ووجدتُ قلبى منغمسًا فى كذا، ووجدتُهُ ما صحّ منه عزمٌ على تركِ كذا، وطلبِ كذا. ونظرتُ فى العمرِ فوجدتُهُ كذا، ونظرتُ للدنيا فوجدتُها كذا. قلتُ لنفسى: أما حانَ أوانُ كذا؟ وكذا يأتيكَ بغتةً، وما أعددْتَ له كذا أو كذا. حتّامَ يستمرُ هذا الـ كذا؟ وقد رأيتَ كذا، وعرفتَ كذا، وأتاكَ كذا، وعلمتَ كذا. وكلّ علمٍ لا حظّ لكَ فيه من كذا مردودٌ عليك. ووجدتُنى ما زلتُ بين كذا وكذا. روحى تعرفُ أن الخلاصَ فى كذا، لكنّ همّتى أضعفُ من طلبِ كذا، وأنا لها متابعٌ فى الضعفِ وفى كذا. آه كم أخافُ يا رفيقُ أن يأتىَ كذا، وأنا بعدى فى كذا وكذا، فيكون الخسرانُ المبين.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 4 comments
,01:47
فى الحادية والثلاثين - الثانية
وحين سُئلت فى التصوف قبل عشر سنوات ما أجبت. ما كان بمقدورى بعدُ أن أضع يدى على النقطة الأساس، على الجوهر الذى يجعل من التصوف ما هو. كنتُ أعرفه حدسا، لكنّ لغتى كانت ضيقة رغم ضيق الرؤية. الآن لو عاد إسلام وسألنى فيه لأجبت: التصوف الانفعاليّة. هذا هو، أو هذا هو كما تبدى لى واطمأنت له النفس. أن تكون منفعلا لا فاعلا. أن تنخلع بالكليّة من إرادتك، فتقوم حيث أقامك الله، حتى تكون بين يديه – قال القوم – كالميت بين يدىّ مُغسِّله يقلّبك كيف شاء. ولله المثلُ الأعلى.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 9 comments
Thursday, June 13, 2013,11:46
انسراب
لا شىء يهم. لا شىء أبدا يهم. صلع فى منتصف الرأس، وبياض يجتاح الفودين، وقلب بالإحباطات مثقل. هذا هو ما أبقته السنوات منك. حتى هذه المرتمية جوارك لم يتبق منها شىء. لم تعد مريمَ القديمة التى أقضّت مضجعك وأطارت النوم من عينيك. لم تعد مريمَ التى فتنت نصف طلاب الجامعة والتف حولها النصف الآخر، فقط لتختارك أنت – أنت وحدك – من بينهم. راح ذلك الجزء السحرى من روحها، والذى أجبر الكل فى يوم بعيد على الانشداه والخضوع. راح مثلما راح كل شىء: المبدأ، والحلم، وسنوات العمر. لكنْ لا شىء يهم. لا شىء أبدا يهم.

وقعت عليها عينى أول مرة فى ذلك المؤتمر الذى نظمه الطلبة اليساريون. لم تكن أجمل الحاضرات، ولكنها كانت أكثرهن حياة وحضورا وتألقا. كان شعرها المرفوع فى تحفز، وكأنها على وشك خوض معركة مصيرية، بالغ السواد وبالغ الرقة. كان مشدودا من الأمام إلى الخلف بتُوكة على شكل فراشة تتيح له بَعد مسافة من الأسْر شيئا من حرية الحركة، وقد أصبح كذيل الحصان. همس لى صاحبى يومها بالتضاد الذى يؤكد معنى الجمال ويوضحه بين حلكة شعر مريم وعاجيّة عنقها الطويل، فارتبكت. كان بصرى مسمرا عليها منذ أول المؤتمر، وكنت أكره أن يلاحظ ذلك أحد. بدأت الفعاليات وتناوب المنظمون شرح أهداف اجتماعهم الوطنى كما أسموه حتى أمسكت مريم بالميكروفون فساد الصمت. تطلعنا فى لحظة سرمدية إلى هذا الكيان الأنثوى المنتصب أمامنا مملكةً من عاج ومرمر. بنطال أسود يترنح بين الضيق والاتساع، وقميص أبيض يحجب بالكاد ما تحته من خيراتها الأنثوية، وقد برز نهداها المستديران كقوسى نصر. لم أنتبه إلا وصاحبى نفسه يهمس لى "صاحبتك مش هتجيبها لبر"، ففهمت أن لها تاريخا فى العمل السياسى، ثم أدركت وقد استجمعت شتات ذهنى أنها تلقى قصيدة تعارض فيها السياسات الساداتية.

ارتبطت مريم عندى منذ ذلك اليوم بالوضوح. كل شىء فيها كان أبيض أو كان أسود. لم تغير جلدها حين تغيرَتِ "الظروف المرحلية" كما فعل الآخرون، وكما فعلتُ أنا نفسى. لم تركب الموجة ولم تتنقل بين درجات سلم الطيف لتنعم كالآخرين بخصوبة قوس قزح وتنوع الألوان ونسبية الحقائق. ظلت بيضاء – أو سوداء – حتى أقصاها الجميع، وحتى صرنا فى الدرك الأسفل من نار الواقع. تحيرتُ كثيرا متى سقط منها جزؤها السحرى، وتحيرتُ أكثر كيف سمحتْ لسنوات الفقر والمهانة أن تسلبها ذلك الجزء. لم تتنازل مريم، ولكنها بدت كمن باع القضية. الشىء الذى لم أفلح فى سماحها عليه قط.

لكنْ أى فائدة من لعبتك الأثيرة فى استحضار الذكريات! تذكر كما شئت، فلا شىء يعود كما كان. لا شىء يعود أبدا كما كان. شىء واحد هو المؤكد: صلع فى منتصف الرأس، وبياض يجتاح الفودين، وقلب بالإحباطات مثقل. حتى هذه المرتمية جوارك لم تعد مريمَ القديمة التى أقضّت مضجعك وأطارت النوم من عينيك. لكنْ لا شىء يهم. لا شىء أبدا يهم.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 4 comments
Wednesday, June 12, 2013,06:59
وجودية أعتذر عنها
النقطة التى نفر منها منذ البدء سنصلها، لا مفر من ذلك، ونحن نعرف جيدا أنه لا مفر من ذلك، غير أننا نخدع أنفسنا بتأجيل اللقاء. وحين يكون اللقاء سنعانى كما لم نعانِ من قبل، سندخل فى الجحيم، سننعصر بالتجربة حتى تظلم أرواحنا تماما، فلا يعود فيها سوى العتمة. ولأننا أضعف من أن نحتمل كل ذلك، فنحن نفر، ونفر، ونستمر فى الفرار. وفرارنا وإن كان معتما بالمثل، إلا إن عتمته لا تُقارن بما نفر منه؛ فنؤثر – كـ هاملت – احتمال شر نألفه على ذلك الشر الذى لا نعرفه. وفى تلك الهوة التى سنسقط فيها، سنشاهد البشاعة فى أوج نقاوتها التى لا يشوبها عنصر من غير جنس البشاعة، وسنشاهد الشيطان.

ونحن فى تأجيل المواجهة الواقعة نخدع أنفسنا فى الفرار بكل أنواع الوهم، بالحب، وبالشعر، وبالحلم، وبكل ما من شأنه أن يخدرنا عن الحقيقة التى نعرفها فى دخيلتنا. لكن القدرة على الفرار، وربما الرغبة فيه كذلك، لا تعود ممكنة بعد توالى الوقائع التى تقول شيئا واحدا .. شيئا واحدا فقط: لا جدوى من كل ذلك؛ فعجِّل إلى الجحيم.

اهبطها حلقة حلقة ودع لحمك يتمزق على أشواك الجوانب، حتى لا يبقى منك سوى روحك التى سترتطم عنيفا فى القاع. ستعانى طويلا من آثار الارتطام، لكن كل شىء سيكون أهدأ فيما بعد، ثم سينعدم الهدوء والـ ما بعد؛ لن يكون هناك شىء سوى روحك فى العتمة المطبقة .. فى الإظلام .. فى القرار.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 9 comments
Monday, June 10, 2013,19:42
فى الحادية والثلاثين - الأولى
قلتُ: ما ظنّك برجلٍ أخذه الصوفيةُ من يمينه، والوجوديون من شِماله، يجلس صلاح عبد الصبور على فخذِهِ الأيمن، وبهاء طاهر على فخذِهِ الأيسر؛ يصلحُ بعدها لشىء؟
 
Posted by Muhammad | Permalink | 19 comments
Sunday, June 09, 2013,02:53
مشهد
السنوات التى تنسرب. التغضنات الآخذة فى الظهور. القلب الذى يشيخ بالوحدة والخيبات. الشفتان اللتان تراوغان هجوم البسمة. الشعرات البيضاء النامية كخيوط فى قماش الحزن. تلتفين حول ذاتك فى الصمت كقطة. والدموع تحجرت بتأثير حكمة التجريب. لا شىء من سنوات البراءة التى امتلكتِ فيها الشمس، فأى دفء ستعرفين فيما تبقى؟ احترقت مخازن الفحم وتهدمت المدفأة، والطقس ينذر ببرودة شديدة هذا العام. اجترار ذكريات الفرح المختلس. لم تفرحى كثيرا لكنْ يمكنك أن تزعمى مطمئنة أنك عرفت شيئا من الأوقات الطيبة. كانوا هناك. كانوا جميعا هناك. وكنتِ معهم. انسلّوا فى الصمت واحدا وراء الآخر، وتركوك قبل أن تنتبهى. تذرعين شقتك الأنيقة جيئة وذهابا علّ نكهة الرماد تتوارى قليلا، والقش فى داخلك يتكسر ويتكسر. خير للمرء أن يمتلىء بالقش من أن يمتلىء بالخواء. ألبومات الصور. كيف راح كل هؤلاء؟ تصافيتم وتشاجرتم، لكنّ رحيلهم كان خرقا لقواعد اللعبة. اختلف مذاق التبغ عن ذى قبل، وصرت أكثر احتياجا للنيكوتين. المطفأة ممتلئة بالأعقاب، وكذلك القلب والرئتين. روحك منهكة تماما. أتعبتها الحكايا التى لا تكتمل، والحكايا التى تكتمل فى اللاكتمال. قابلت الكثيرين وعرفت الكثير، فلم تحترزى لموسم دفع الضرائب. كل الطرق فى نهايتها فجيعة، وقد أكثرت من التجوال. هل كان عليك أن تكثرى من التجوال؟ ودولاب الملابس! ما فائدته الآن وقد تلبّسْتِ بالعرى؟ تفكرين أن الحياة مخيبة للآمال؟ نعم يا صديقتى وعلى نحو بالغ. أنت فى ورطة كبيرة. أنت فى كمين.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 6 comments
Saturday, June 08, 2013,04:30
المُكاتبات - الثامنة
مفتتح: أجملُ البحارِ هو البحرُ الذى لم نذهبْ إليه بعد، وأجملُ الأطفالِ هم الذينَ لم يكبروا بعد، وأجملُ الأيامِ هى تلكَ التى فى انتظارنا، وأجملُ القصائدِ هى تلك التى لم أكتبْها لكِ بعد. [ناظم حكمت]

ولم يقُلْ "أجمـلُ النسـاءِ أنتِ"؛ لأنه لا مقارنةَ مع تمـامِ المحبّـةِ؛ إذ المقارنةُ دليـلُ لَحْظِ الغيـر، والمُحبّ – حقيقةً – لا يرى غيرَ حبيبِه، حتى إنه ليذهلُ عن نفسِه فلا يراها مع رؤيتِهِ المحبوب، ثم يذهلُ عن ذهولِه، وهو الفناءُ عن الفناء. فتنبّهى!

وعلى أية حال، بونجور يا برقوقتى. سا فا؟ عساكِ بخير. والأهل والصِّحاب؟ كلّ شىءٍ على ما يُرام؟
أما عن أخبارِنا فما جدّ جديدٌ منذ تبدّلَتْ بنا الأحوالُ من راحةِ البالِ إلى تمامِ الانشغال. ما زلنا مشتاقينَ شوقًا ليس يدفعُهُ تصبّرٌ ولا اجتهادٌ فى طلبِ أنس. والشوقُ وإن كان علامةَ الغيابِ، والأنسُ وإن كان علامةَ الحضورِ، إلا أننا مشتاقون فى الغيابِ وفى الحضور، وفى الحزنِ وفى السرور.

طاغيةٌ أنتِ؛ كيف أفسدتِنا على أنفسِنا إلى هذا الحدِّ الذى لم نعد نرجو معه اجتماعَ أمرِنا بعد الفرق؟ ضقنا بجلودِنا حتى وددْنا لو خرجنا منها واكتسيناكم؛ فافتحى الجُبّةَ لأحلّ. ما عدتْ أرى لى من راحةٍ فى البقاءِ فردًا؛ فافتحى الجُبّةَ لأحلّ. تصيرُ فرديتى فرديتَكِ، وفرديتُك فرديتى، وتنمحى بيننا الأنيةُ والأنتية؛ فافتحى الجُبّةَ لأحلّ.

ورؤيتُكم وإن زادتْنا طربًا على طربٍ (وطربُنا يكون لقوةِ واردِكم ولضعفِنا معًا) حتى لَنهتز كعصفورٍ بلّلَهُ المطرُ، إلا أن التجملَ بالصبرِ فى القربِ أيسرُ علينا منه مع حصولِ المسافة؛ فناشدناكم وَصْلا نسكرُ به سُكرًا لا إفاقةَ منه إلا إفاقةَ الموت.

مرآةٌ أنتِ – يا برقوقتى – مجلُوّةٌ أرانى فيها، ومرآةٌ أنا مجلُوّةٌ ترينَكِ فيها، كالثلاثينَ طائرٍ والسِيمُرْغ*؛ إذ ما كان هؤلاء إلا ذاك، وما كان ذاك إلا هؤلاء. ولما عرفتُك عرفتُنى، ولما عرفتِنى عرفتِك. ألا زالَ العارفُ والمعرفةُ ولم يبقَ سوى المعروف! ألا اتّحدَ العارفُ والمعروفُ وزالَ العارفُ والمعرفةُ ولم يبقَ سوى المعروف!

خاتمة: واللهِ لا يؤمنُ، واللهِ لا يؤمنُ، واللهِ لا يؤمنُ – بالحُبِّ – حتى تكونى أحبّ إليه من القاهرة. وواللهِ لا تؤمنينَ، واللهِ لا تؤمنينَ، واللهِ لا تؤمنينَ – بالحُبِّ – حتى يكونَ أحبّ إليكِ من الإسكندرية.



* تسافر مجموعة من الطيور نحو ملكهم الأعظم سِيمُرْغ – وهو طير فى غاية الجمال والجلال – فى سفر محفوف بالمخاطر والمهالك، فتهلك كلها إلا ثلاثين منها تصل إلى باب قصره. وعند وقوفهم أمامه يكتشفون أنهم عندما ينظرون إليه يرون أنفسهم، وعندما ينظرون إلى أنفسهم يرونه هو. والسِيمُرْغ بالفارسية معناه "ثلاثون طيرا". (يراجع منطق الطير لـ فريد الدين العطار).
 
Posted by Muhammad | Permalink | 6 comments
Thursday, June 06, 2013,16:45
المُكاتبات - السابعة
مفتتح: دخلتِ قلبى، والملوكُ إذا دخلوا قريةً أفسدوها.

ورثْتُ عن الفَرَاشِ شيئينِ ليس بينهما كرنفاليةُ الألوانِ وبهجتُها: ضعفَ الأجنحةِ، وحُبّ النور.
ولما أتيتُكِ ما كنتُ أعرفُ أنك ناريّةٌ إلى هذا الحد، وأنك تتجلّينَ فى البرتقالىِّ والأحمرِ والأصفرِ والأزرقِ والأخضر. توهجْتِ كما توهجْتِ، وانجذبْتُ مثلما انجذبْتُ. ومن يومها وأنا أحومُ حولكِ فى دائرةٍ ليس منها فكاك؛ فلا استطعْتُ الإفلاتَ بسببِ طبيعتى المجبولةِ على حبِّ النور، ولا استطعْتُ الاحتراقَ بكِ – اتحادًا ففناءً – بسببِ الفيافى والبحور.

جئتُهم بالرؤيا فى يمينى، وبالدراهمِ المعدودةِ فى يَسارى، فقالوا: إن اليمينَ لفى الخُسْرِ، أما اليَسارُ ففى العُسْرِ، وهذا ثمنٌ بخس. قلتُ: وتُلقونها فى غيابةِ الجُبِّ؛ لأنهم ما جعلونى على خزائنِ الأرض؟! قالوا: وننتظرُ حتى تمرّ بعضُ السيارةِ فيرسلوا واردَهم.

ما كنتُ فيكِ من الزاهدينَ، فبكيْتُ. ما ابيضّتْ عيناى حزنًا غيرَ أنّى بكيْتُ. ورحلْتُ. وما أفتأُ أذكرُكِ وأجدُ ريحَكِ حتى قالوا أكون حرضًا أو أكون من الهالكين.

ولما عدتُ فسألتُ، قالوا: أكلها الذئبُ إذ ذهبنا نستبقُ وتركناها عند متاعِنا، وما أكلَكِ غيرُ ذئبِ الوحدة.

والآن – يا صديقتى – نُمنِّى أنفسَنا بالسبعِ السمانِ، ولسْتُ أَراهُنّ إلا السبعَ العجافَ، فاللهُ المستعانُ على ما أجدُ فى انتظارِ القميصِ، وصبرٌ جميل.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 6 comments
,05:17
حنين





أراك كل يوم..
آتيًا بتلك الحقيبة
تجلس على المقهى..
يلتف أطفالٌ لا يتجاوز طولُهم
ثلاثةَ أشبارٍ من يدى الصغيرة
ثم ينتفضون من حولك
فرحين ... مهلّلين
وكأنه انتصارُ الحياةِ على الموت
تُخرِج بعض المأكولات
وتأكل
يتبقى فتاتُ الطعام
وترحل
فيأتى عصفور
يأكل ويأكل
وكأنه ينتظرك مثلى
... مرت الأيام ...
مات العصفورُ جوعًا
ومات قلبى اشتياقًا

 
Posted by Muhammad | Permalink | 8 comments
Wednesday, June 05, 2013,04:22
المُكاتبات - السادسة
أحَببتُكِ بداهةً؛ فلم تحتاجى من خارج ذاتك إلى برهانٍ ولا دليل. هجمْتِ على النفس هجومَ الضرورةِ فعرفتكِ ثبوتًا لا ظن فيه، كـ الاثنين ضعف الواحد، والكل أكبر من الجزء، هكذا بلا استدلالٍ ولا تقديم.

كالغزّالىِّ إذ خرج من حيرته بنورٍ قذفَهُ اللهُ فى قلبه قُذفتِ فىّ، فوَدَعْتُ طرقَ الباطنيّةِ والفلاسفةِ والمتكلمين، وصرْتُ إلى التصوف. كإمبادوقليس إذ ألقى بنفسه فى البركان، وكغسان كنفانى إذ قال لغادة السمان: يلعن أهلك!

ونسُبُّكم، وسبابُنا محبة.

قال الجنيد: إذا صحتِ المحبةُ سقطَتْ شروطُ الأدب.
وسأل أبو الحسن القارىء "فيروز" جاريةَ أبى على الدقاق (وكانت تستطيلُ عليه بلسانها): لِمَ تؤذين هذا الشيخ؟ فقالت: لأنى أحبه.
ودخل جماعةٌ من الناس على الشبلى فى مارستان، وقد جمع بين يديه حجارة، فقال: من أنتم؟، فقالوا: نحن أصدقاؤك ومحبوك. فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة، وأقبلوا يهربون. فقال: ما لكم؟ ادّعيتم محبتى، فاصبروا على بلائى.

وقد صحّتْ محبتُنا، فسقط أدبُنا، فسببناكم. فلو صحّتْ محبتُكم، فاصبروا على ما آذيناكم.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 13 comments
Tuesday, June 04, 2013,04:06
فقد
وجودو الذى ننتظره قد يجىء، لكنه أبدا لا يأتى فى موعده؛ من عادته أن يبكر قليلا، أو أن يتأخر كثيرا، وفى كلتا الحالين لا نكون مهيئين لاستقباله. هذا الذى ترقبناه طويلا يصبح فائضا عن الحاجة وزائدا وموجعا؛ فقط لفروق التوقيت.

لولا الوقت ما كان حزن. الزمن صيرورة، والصيرورة فقْدٌ دائم. لو توقف الزمن، وكنا فى سكون مميت، لما تكسّرت قلوبنا على هذا النحو.

تتكسّر قلوبنا لأنها دائمة التعلق بما يزول، وفى كل مرة يزول ما يزول تزول معه قطعة من قلوبنا. الصيرورة تصير، والزوال يستمر، وقلوبنا فى الفقد. الانكسار قدَرٌ ما ارتبطنا بالزوال، والزوال قدَرُ كلِّ ما/من يزول.

ما كان لجودو أن يأتى فى موعده كل مرة؛ إذًا لاختفى الألم من الملكوت. ليس كل ألم رغم ذلك؛ فالموت رابض هناك.

رغم الموت الرابض هناك/هنا، ما كان لجودو أن يأتى فى موعده كل مرة؛ ما وُعدنا هذا نحن ولا آباؤنا الأولون.

نموت فى النهاية حين لا يعود لدينا ما نفقده، حين نفقد قلوبنا بتمامها للفقد. وحين يأتينا الموت، لا يجد لدينا ما يميته. نحن لا نلقى الموت فى النهاية، بل نلقاه مبكرا جدا. الحياة موت مستمر، وما نسميه "موتنا" ليس إلا توقفنا عن أن نموت.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 11 comments
Sunday, June 02, 2013,21:22
لحن
* مفتتح: بيننا يا جارتى بحرٌ عميق
بيننا بحرٌ من العجز رهيبٌ وعميق
وأنا لستُ بقرصانٍ، ولم أركبْ سفينة

فلو كنتُ قرصانا يركب السفينَ لجمعتُ من الذهب أربعين زلعة، ولجئتُكم بالنوق الحُمْر، فأرضيتُ – يا ابنةَ مالكٍ – أهلَك، وغَنّى لنا شيبوب.

عَوْدٌ على المفتتح: بيننا يا جارتى سبعُ صحارى

وأم، وأب، وإخوةٌ، وعشيرة، وقبيلة، ومقدمُ الدّرَكِ "سنقر"، وكبيرُ الشرطةِ "كعبورة"، و "عُيّاقٌ" لهم ملاعيب؛ وأنا لستُ أميرا، لا، ولستُ المضحكَ الممراح فى قصر الأمير.

عَوْدٌ ثان: أنت فى القلعة تغفين على فرش الحرير
وتذودين عن النفس السآمة
بالمرايا واللآلى والعطور

وشاى الفانيليا، والفيريرو روشيه؛ وأنا لا أملك ما يملأ كفىّ طعاما.

مفتتح آخر: تسألنى رفيقتى ما آخر الطريق
وهل عرفتُ أوّلَه؟

وهل بالَيْتُ أن أعرف آخره أو – من قبلُ – أوّلَه؟ مددتِ من الشرفةِ حبلا من نغم، فأورق فى روحى أدغالا تبعتُها فى اللامعقول، والحب – كالإيمان – لا معقول. مقامرةٌ بالكل؛ فإما عبورٌ بالوثبة، أو سقوطٌ – كجُلمودِ امرىءِ القيس – فى الهُوّةِ – من عَلٍ، غير أنى ما عدتُ أبالى بالسقوط.

عَوْدٌ على المفتتح الآخر: ورغم علمنا
بأن ما ننسجه ملاءةً لفرشنا
تنقضُهُ أناملُ الصباح
وأن ما نهمسُهُ، ننعش أعصابَنا
يقتله البواح
فقد نسجناهُ
وقد همسناهُ

وأجملُ الحب أيأسُه؛ ذلك الذى لا يقصد إلى هدفٍ فى الما وراء؛ فغايتُه فيه، وغايتُه هو. وأوعرُ الحب أيأسُه؛ ذلك الذى لا غاية له سواه؛ يقتلنا إذا راحتِ السّكْرة، وجاءتِ الفكْرة، ونقضَتِ النسجَ أناملُ الصباح؛ فدعِينا – هكذا – فى غفلةِ السُّكْر.

خاتمة: لا تبكنا يا أيها المستمعُ السعيد
فنحن مزهوّون بانهزامنا

ــــــــــــــــــــ

* يُرجع – بالأخص – إلى قصيدتى صلاح عبد الصبور: لحن، والحب فى هذا الزمان.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 9 comments
,02:25
المُكاتبات - الخامسة
فى تلك الليلة، سنصفو. فى ضىٍّ خافت كالعتمة، وعتمة مضيئة كالضىّ، سنجلس متواجهَين متخذَين وضعيةَ البوح: أنت مسندة رأسك إلى يمنى يديك، وأنا مضطجعا على شمالى أسند رأسى ليسرى يدىّ. سنقول كلاما ما قاله أحد من قبل، بلغة ما تكلمها أحد من قبل، وسننظر فى العيون حتى نشف فننكشف. سأنكشف أمامك وستنكشفين أمامى، سنعرى من كل بهرج وسواد، ولن يبقى سوى الأبيض فينا، فيرى أحدُنا جمالَ الآخر وصفاوتَه، ونصفو. سنبتسم طيلة الجلسة، وسنكتشف صدقَ درويش الذى ترددنا إزاءه طويلا، سنعتبره قديسا أن وجّه انتباهنا إلى أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، حتى الألم، ورغم دمع العنب. وما أن نصدقَ حتى نصبح قديسَين مثله، وسنمشى بالنبوءة مبشرَين بين الناس. "أيها الناس، على هذه الأرض ما يستحق الحياة". وسيزداد فينا الإيمان؛ سنؤمن أنه ما كان لنا أن نلتقى، فنذوق، فنعرف، لو لم يكن لهذا الكون رب يرعاه، ويطبب بعضَ خلقه ببعض خلقه. وسنَعجب كثيرا لمن انتحر؛ كيف انتحر هؤلاء وتركوا هذه الأرض الطيبة! سنراها طيبة، وسنرى الكون حلوا كقطع السكر. وستكونين سكرا، وسأكون سكرا، حتى نذوب بما وجدنا، ونصفو. ستنادينى بغير اسمى، وسأناديك "يا برقوقتى"، وسنعرف الضحكةَ البريئة، والدمعةَ البريئة، والخلاص. لمرةٍ واحدة، فى تلك الليلة، سنعرف الخلاص. سنكون طيبَين، وديعَين صافيَين، وسننظر إلى الأغيار بعين المحبة. سنسامح الكل، ونسامح أنفسنا، ونسامح العمرَ الذى انسرب. سنكتفى منه بتلك الليلة، ونصفو. ستقولين كنتُ خائفة، وسأقول كنتُ خائفا، وسنردد معا ما التقى خائفان إلا اطمأنا. ستقولين كنتُ ضعيفة، وسأقول كنتُ ضعيفا، وسنردد معا ما التقى ضعيفان إلا قويا. ستقولين كنتُ عارية، وسأقول كنتُ عاريا، وسنردد معا ما التقى عاريان إلا كُسيا. ستقولين كنتُ سالكة، وسأقول كنتُ سالكا، وسنردد معا ما التقى سالكان إلا وصلا. سترين جراحاتى تندمل قُدّامَ عينيك، وسأرى جراحاتك تندمل قُدّامَ عينىّ، حتى تأخذنا الغبطةُ دون أن يهتز جسدانا؛ سنكون مطمئنَين تماما، والمطمئنُ – يا سكرَ النباتِ – لا يهتز له جسد. لن نتحدث فى الحب؛ سنكون فى انشغالٍ عنه به، ستكون التفاتاتُنا حبا، وإيماءاتُنا حبا، وكلماتُنا حبا؛ سنكون حبا، حتى ترقص أرواحنا فى الداخل مُطَوِّحَةً كالدراويش، ونصفو.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 16 comments
Saturday, June 01, 2013,02:08
عِفّة

أقبلَتْ فى قميصِها الأسودِ، وقالتْ هيتَ لك، فتشافَهْنا .. وتلاسَنّا .. وتسانَنّا .. وتخادَدْنا .. وتواجَنّا .. وتصادَغْنا .. وتآنَفْنا .. وتحاجَبْنا .. وترامَشْنا .. وتعايَنّا .. وتجابَنّا .. وتآذَنّا .. وتسالَفْنا .. وتشاعَرْنا .. وتذاقَنّا .. وتراقَبْنا .. وتكاتَفْنا .. وتآبَطْنا .. وتعاضَدْنا .. وتساعَدْنا .. وتكاوَعْنا .. وتراسَغْنا .. وتكافَفْنا .. وتصابَعْنا .. وتسالَمْنا .. وتظافَرْنا .. وتصادَرْنا .. وتثادَيْنا .. وتحالَمْنا .. وتباطَنّا .. وتسارَرْنا .. وتخاصَرْنا .. وتحاوَضْنا .. وتفاخَذْنا .. وتراكَبْنا .. وتساوَقْنا .. وتقادَمْنا .. وتكاعَبْنا .. وتظاهَرْنا .. وتآلـَيْنا .. وتفاصَلْنا، ثم كان بيننا – مما لستُ أبوحُ به – ما كان.

ـــــــــــــــــــــ

معانى المفردات كما وردت فى معجم لهفتنا :

التشافه

:

ملامسةُ الشفتين للشفتين.

التلاسن

:

ملامسة اللسان للّسان.

التسانن

:

ملامسة الأسنان للأسنان.

التخادد

:

ملامسة الخدين للخدين.

التواجن

:

ملامسة الوجنتين للوجنتين.

التصادغ

:

ملامسة الصدغبن للصدغين.

التآنف

:

ملامسة الأنف للأنف.

التحاجب

:

ملامسة الحاجبين للحاجبين.

الترامش

:

ملامسة الرمشين للرمشين.

التعاين

:

ملامسة العينين للعينين.

التجابن

:

ملامسة الجبين للجبين.

التآذن

:

ملامسة الأذنين للأذنين.

التسالف

:

ملامسة السالفين للسالفين.

التشاعر

:

ملامسة الشعر للشعر.

التذاقن

:

ملامسة الذقن للذقن.

التراقب

:

ملامسة الرقبة للرقبة.

التكاتف

:

ملامسة الكتفين للكتفين.

التآبط

:

ملامسة الإبطين للإبطين.

التعاضد

:

ملامسة العضدين للعضدين.

التساعد

:

ملامسة الساعدين للساعدين.

التكاوع

:

ملامسة الكوعين للكوعين.

التراسغ

:

ملامسة الرسغين للرسغين.

التكافف

:

ملامسة الكفين للكفين.

التصابع

:

ملامسة الأصابع للأصابع.

التسالم

:

ملامسة السلاميات للسلاميات.

التظافر

:

ملامسة الأظافر للأظافر.

التصادر

:

ملامسة الصدر للصدر.

التثادى

:

ملامسة الثديين للثديين.

التحالم

:

ملامسة الحلمتين للحلمتين.

التباطن

:

ملامسة البطن للبطن.

التسارر

:

ملامسة السرّة للسرّة.

التخاصر

:

ملامسة الخصر للخصر.

التحاوض

:

ملامسة الحوض للحوض.

التفاخذ

:

ملامسة الفخذين للفخذين.

التراكب

:

ملامسة الركبتين للركبتين.

التساوق

:

ملامسة الساقين للساقين.

التقادم

:

ملامسة القدمين للقدمين.

التكاعب

:

ملامسة الكعبين للكعبين.

التظاهر

:

ملامسة الظهر للظهر.

التآلى

:

ملامسة الإليتين للإليتين.

التفاصل

:

ملامسة المفاصل للمفاصل.

 
Posted by Muhammad | Permalink | 4 comments