Tuesday, October 29, 2013,06:15
فى الحادية والثلاثين - التاسعة
(1)

كنتُ من الجيل الذى درس فى ثانويته رائيّةَ أبى فراس فى/إلى سيف الدولة، والتى يفتتحها الحمدانىّ على هذا النحو: "أراك عصىّ الدمع شيمتُك الصبرُ/أما للهوى نهىٌ عليك ولا أمرُ". القصيدة من عيون شعر العرب، وقد زادتها أم كلثوم شهرةً على شهرةٍ رغم التحريف النحوىِّ الشهير، الذى استبدلتْ بمقتضاه "نعم" بـ "بلى" فى قوله: "بلى، أنا مشتاقٌ وعندى لوعةٌ"، إلا إن أبرزَ ما علق بى من القصيدة – فكريا، على امتداد هذه السنوات – كان بيتَ أبى فراس الذى يقول فيه: "مُعلّلتى بالوصل والموتُ دونهُ/إذا مت ظمآنا فلا نزل القطرُ"، والذى يعنينى الإشارة إليه – فى هذا السياق – هو عجُزُ البيت على وجه التحديد: "إذا مت ظمآنا فلا نزل القطرُ"؛ إذ يوضع – عادة – فى مقابل بيت المعرىِّ أبى العلاء: "فلا هطلتْ علىّ ولا بأرضى/سحائبُ ليس تنتظم البلادا"، وذلك إثرَ بيته الذى يقول فيه: "ولو أنى حُبيتُ الخلدَ فردا/لما أحببتُ بالخلد انفرادا".

اقترن بيت أبى العلاء بالغيريّة التى تأبى الاستئثار بالخير دون الإخوان والأحبة كما يذهب البطليوسىّ؛ إنه يرفض جنةً لا تستوعب الأغيارَ، ومطرا لا يشمل الأرضين؛ يقول التبريزىّ: "وما أبعد هذا فى الشرف عما ذكره أبو الطيب فى قوله: وربما أُشهدُ الطعام معى/من لا يساوى الخبز الذى أكله، أو عما ذكره أبو فراس الحمدانىّ فى قوله: معللتى بالوصل والموت دونه/إذا مت ظمآنا فلا نزل القطرُ".

كنتُ – فى الصبا الأول – أكثرَ ميلا إلى هذه النظرة التى تعكس ميراثا عربيا قديما كان الشاعرُ فيه صوتَ القبيلة ومصدرَ فخرها، كان الشاعرُ فردا فى المجموع، وذلك فى مقابل نظرة أبى فراس التى تعكس الشىءَ الكثير من التمحور حول الذات؛ إنه يبتهل – وقد مات ظمآنا – أن تعمّ البليّة!

(2)

خارجَين من الدرس كنا، وحبر الطفولة فوق الرداء. فلنصحح ذلك؛ إذ لم نكن طفلين تماما، بل مراهقَين، لكننا خرجنا على أية حال، وكان صاحبى قد مال – بالكليّة* – إلى بيت أبى فراس. كان صاحبى – وما زال – أكثر واقعية!

(3)

يبدو أننى قد تغيرتُ عن ذاك الزمن البعيد؛ فلم يعد بيت المعرىّ ما كانه للفتى الذى كنتُه، صرتُ أكثر تقديرا لوجهة النظر الحمدانية؛ خصوصا أن أبا العلاء نفسَه قد أشار فى القصيدة ذاتِها إلى ما قد يصلح مبرِّرا للتغيّر: "فظُنّ بسائر الإخوان شرا/ولا تأمن على سرٍّ فؤادا، فلو خبرتهم الجوزاءُ خُبرى/لما طلعتْ مخافةَ أن تُكادا"؛ ولستُ أريد – ههنا – أن أنسب إلى المعرىّ ما يحتاج – قبل نسبته – إلى بحثٍ وتدقيق، من القولِ باتهامِهِ الناسَ، أو القولِ – على النقيض من ذلك – بحدبِهِ عليهم؛ فغايةُ القول إن هذا الذى يتبدى لنا وكأنه سعةُ صدرٍ مَعَرِّيّةٌ إنما يحتاج – قبل تقريره – إلى استقصاءٍ لكامل أعماله حيادىٍّ وجاد.

تغيرتُ – إذًا – وجاء ذلك – فيما أحسب – تدرجا لا فجاءة، حتى إننى كنتُ – دائما – أكثرَ ارتياحا لأولى إجابتى السؤالِ الصوفىِّ الشهيرِ عن اعتزال الناس أو مخالطتهم مع الصبر على أذاهم، أيهما أفضل؟! حتى بلغنى – أخيرا – حديثُ ابن ماجه: "المؤمن الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذى لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، وإن ذهب الإمامُ النووىّ فى التوفيق بين هذا الحديث وحديثِ الأعرابىِّ الذى جاء النبىّ فسأله: "أى الناس خير؟ قال: رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل فى شِعْبٍ من الشِعابِ يعبد ربه ويدع الناسَ من شره"، أقول وإن ذهب الإمامُ النووىّ فى التوفيق بينهما إلى القول: "وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال فى زمن الفتن، والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عليهم، أو نحو ذلك من الخصوص، وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وجماهير الصحابة والتابعين، والعلماء، والزهاد مختلطين فيحصِّلون منافع الاختلاط: كشهود الجمعة، والجماعة، والجنائز، وعيادة المرضى، وحلق الذكر، وغير ذلك". اهـ (ولمن أراد تفصيلَ المسألة أن يعود إلى أهل الذكر؛ فلستُ منهم).

ربما لم أرْسُ – كصاحبى، بالكليّة* – على الشاطىء الحمدانىّ، لكننى لم أعد كذلك مَعرّيّا فى هذا الصدد، ولا أكتمكم حديثا: لقد تضاعف الشرخُ منذ ما كان فى الثالث من يوليو. هيهات تفقهون!

(4)

ولما أن تجهّمنى مُرادى
جريتُ مع الزمانِ كما أرادا



* مصدر صناعى من كلّ، كقولك: أخذه بكليّته، أى أجمعه.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 9 comments
Sunday, October 27, 2013,05:19
فى الحادية والثلاثين - الثامنة
قد تُجدى "الكلمةُ" فى المواساة، لكنّ "الحضنَ" أكثرُ نفعا.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 9 comments
Wednesday, October 23, 2013,20:02
عُهر
وأنا – تايريزياس، ذا الثديين الأنثويين الأجعدين – كنت شاهدا على هؤلاء الذين زأروا على الإخوان حتى استهلكوا أنفسَهم بالكليّة، ثم لما جاء زمنُ الحاكم بأمر الله، وأسس نفسه إلها، خرّوا مع الساجدين. كنت شاهدا على الوجوه التى تمعرت، والعروق التى انتفضت، والأيدى التى لوّحت فى الاتجاهات الثمانية؛ ثم لما قال لهم الحاكمُ صيحوا "زنديقٌ كافر"، صاحوا "زنديقٌ كافر"، صيحوا "دمُه فى رقبتنا"، صاحوا "دمُه فى رقبتنا"، وكان زمنُ انسيالِ الدمِ والحصاد، حصادِ الرءوسِ الغضّة، وحصادِ العاهرةِ لثمنِ البغاء، لَمّا باعدَتْ بين فخذيها؛ لتُرىَ أبانا – الذى فى القيادةِ العامةِ – مباهجَ الفَرْجِ الحسَن!

وأنا – تايريزياس، ذا الثديين الأنثويين الأجعدين – كنت شاهدا على من راهنّاهم على الصمتِ بمجىءِ السادةِ الجُدد، فربحنا الرهان. كان الناسُ فى زمنِ الحاكم يحبون الإتيانَ فى الدبر، وكان أسرعَهم إلى الانحناءِ الكتبةُ الكذابون. هَمّوا إلى أقلامهم يبرونها؛ تمجيدا لقضيبِ الحاكم، وَهَمّ الحاكمُ إلى قضيبه يبريه؛ ليكون أكثرَ وخزا. كان الناسُ فى الزمنِ القديمِ يشتهون عنفَ الممارسة!

وأنا – تايريزياس، ذا الثديين الأنثويين الأجعدين – كنت شاهدا على تبدّلِ المواقف؛ رأيتُ بأمِّ عينىّ (وليس هذا حديثَ خرافةٍ) من قاتلوا عساكرَ الدركِ فى المواقع، ثم عادوا يمسحون عن مؤخراتهم الأذى الزائفَ المُدّعَى! رأيتُ حثالاتٍ يتنكرون لكلِّ قيمةٍ من الزمنِ الذى كان، ويُبشِّرون بالعهدِ الآتى، عهدِ إلهِ النحنحات!

وأنا – تايريزياس، ذا الثديين الأنثويين الأجعدين – كنت شاهدا على تحوّلِ طِيْبة إلى ماخورٍ لعبادةِ ديونيسوس، غير أن الطقوسَ لم تكُ عظيمةً بما يكفى لنشأةِ التراجيديا!

أبانا الذى يتنحنح
لك المجدُ فى الكُخِّ والدّح
لنا القهرُ لا يتزحزح!
 
Posted by Muhammad | Permalink | 3 comments
Monday, October 14, 2013,01:37
فى الحادية والثلاثين - السابعة
"لا أعرفُ كيف تم هذا التحولُ فى تلك الفترةِ الوجيزة!" كانت هذه الفكرةَ التى سيطرتْ علىّ عقبَ انتهاءِ المكالمة. أخذَتِ الذاكرةُ تنتقلُ بين الهنا والهناك؛ لتُمعنَ فى إيضاحِ الفارقِ المؤسى الذى لا أفهمه. تذكرتُها قبل شهورٍ قليلة، كان الشىءُ هناك، لكنه لم يكن قد تضخم بعدُ إلى هذا الحدِّ حتى ظهرَ على ما عداه. كان فيها من الروحِ القديمةِ ما يكفى لئلا تتوقعَ هذا الانقلابَ المفاجىء. وقبل سنوات، كانت صغيرةً ومرحة، لا تنتمى إلى العالم الذى ننتمى إليه: الكتاباتِ والقراءاتِ ومحاولةِ الرؤيةِ أوسعَ مما تطيقُ الأحداق، بل بدتْ كتلك النوعيةِ الوثّابةِ من البشر الذين يُبشِّرون بنجاحٍ عملىٍّ باهر، هؤلاء الذين يظهرون فى الإعلانات ببزّاتهم السوداء وياقاتهم البيضاء المُنشّاة؛ وهم وإن قادوا الحياةَ كما يقودُها كل أحد، إلا أنهم ينجحون فى الحفاظِ على قدرٍ من المرح، يكفى – دائما – لإضفاءِ النضارة. رغم ذلك، نمتْ بيننا صداقةٌ متينةٌ ومُنكشفة، من ذلك النوعِ الذى لا يتكررُ كثيرا؛ لأسباب. لعبْتُ فى هذه الصداقةِ دورَ العجوز، ولعِبَتْ دورَ الفراشة!

فجأةً، وفى شهورٍ معدودة، انقلب الحالُ من حالٍ إلى حال! أعرف أشياءَ عن سببِ التحول، لكنها لا تبدو لى كافيةً لتبريره. كانت الأشياءُ هناك لفترةٍ طويلة، ولم يجدّ ما جد! تراكمتِ التغيراتُ الكميّةُ – إذًا – فتحولتْ إلى تغيرٍ نوعىٍّ، كما يقول الماركسيون؟ ربما! المهمُ أن تغيرا لافتا قد حدث، وقد جعلها محبَطةً تماما.

قالت: قبل خمسِ سنوات، لم أكن أتوقع أننى بحلولِ الثانيةِ والعشرينَ سأشعر على هذا النحو؛ أشعرُ وكأننى وسطَ بِركةٍ من الخراء (قالتها بالإنجليزية)! بدا صوتُها مؤسيا إلى حدٍّ بالغ، ومُنهَكا إلى حدٍّ بالغ، وحين انتهتْ، سمعْتُ بعضَ النهنهات. كنتُ قد مررتُ بتجربةٍ مماثلةٍ قبل سنواتٍ بعيدة، لكنها لم تكن مدهشةً إلى هذا الحد؛ فما وُجد 'بالفعل' كان موجودا 'بالقوة' منذ البدء، ولم يكن عليه سوى أن يصيرَ من الإضمارِ إلى صريحِ الظهور؛ فى حالتها، لم أحدسْ بوجودِ مثلِ هاتيك الكوامن، بل – ربما – بدتْ لى كـ ضدِّ ذلك على طولِ الخط. التعقيد فى مقابلِ البساطة، أو بعبارةِ وليم بليك: التجريب فى مقابلِ البراءة!

ماذا إذًا؟ الغازُ الذى بالداخلِ دائمُ الضغطِ على جدارِ البالون؟ وباستمرارِ الضغطِ، يرقّ سُمكُ البشرةِ، حتى لا تعودَ تطيق .. فتنفجر؟!

تحدثُ فى هذا العالم أشياءُ غريبة، أو إنه – فى ذاتِه – غريب!
 
Posted by Muhammad | Permalink | 6 comments
Friday, October 11, 2013,13:27
يناير، وفقط يناير
لقد كانت أياما رائعةً ما عرف هذا الجيلُ ما أشبهها، ووافقها، أو كان منها مُدانيا، تلك الأيام الثمانية عشر. وبعيدا عن المنحنى الآخذِ فى الارتكاسِ منذ التنحّى، فلو أن العالمَ كان قد انتهى فى الحادى عشر من فبرايرَ ذاك الشتاء، لجاءت تلكمُ النهاية على نحوٍ من الاكتمالِ جليلٍ، كان خليقا بأن يضفىَ "المعنى" على المسيرةِ الإنسانية. هكذا؛ تتويجًا لكفاحٍ متطاولٍ منذ أن قتل قابيلُ أخاه؛ تتويجًا يجعلُ نهايةَ التاريخِ نصرًا لقيمِ الحقِّ والخيرِ والجمال، وربما يبرر – كذلك – (ويُسوّغ) كلّ عذاباتِ الرحلة. لقد عشنا فى ملحمة!

لكنّ التاريخَ لا يتسم – أبدًا – بهذه الطيبة، ولما كان ديالكتيكىّ الحركة، كان لابد للعدمِ أن ينخرَ فى الوجود، وللشرِّ أن ينخرَ فى الخير، حتى تستمرَ العجلة؛ إنه دفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعض، ولولاه "لهُدِّمتْ صوامعُ وبيَعٌ وصلواتٌ ومساجد". [الحج – 40]

ولأننى لا أعرفُ غيرَ هذه الثورة، فلستُ أعترفُ بغيرِ هذه الثورة؛ القولُ بغيرِها ابتذالٌ ومصلحةٌ وتصفيةُ حسابات؛ فى ينايرَ، توارتْ كل هذه الخساساتِ خلفَ الألق، وخلفَ ما بدا كروحٍ شيوعيةٍ انمحتْ معها الفوارقُ، إلا فوارقَ العدالة. ولذلك؛ أحب نسبةَ نفسى إليها، وإن آلتْ إلى ما لم يكن – قط – فى الحسبان. أنا من الجيلِ الذى حلقّتْ أحلامُه فى السماءِ زمنًا وجيزًا، ثم عاد فأفاق على التكسّرِ والخيبةِ والفشل؛ ورغمَ الفشلِ، أصِـرّ – بعدى – على النسبةِ إلى ذيّاكَ الشتاء؛ لأبدوَ – ومن آمنَ معى – كأبطالِ التراجيديا المهزومين!

لو أنى كنتُ رأيتُكِ قبلَ ينايرَ،
كانت أسرَتْنى عيناكِ الصاحيتانِ،
وخطفَتْنى خصلاتُ الشعرِ المتروكةُ ببدائيّةِ
رسامٍ بوهيمىٍّ حول الوجهِ الصابحِ،
أبيض كحليبٍ مأطورٍ بالضرباتِ التلقائيةِ من
أسودَ فحمىّ
فأنا تخلعنى من جذرى فطرياتُ الحسّ
لو أنى كنتُ رأيتُكِ قبلَ ينايرَ،
كنتُ وقعتُ كصبٍّ فى حبكِ مغرومًا،
مثلَ كُثيِّرِ عزةَ،
أو قيس الممروضِ بليلى،
أو وضاح اليمنِ المقتولِ بليلٍ،
فأنا أهوى تقليدَ أساطيرِ الحبِّ العربيةِ
حيث الخبَلُ وكسرُ الأنماطِ،
وحيث عجائبُ مَشْى دماءٍ لدماء [قصيدة "سالى زهران" – حلمى سالم]

رحم اللهُ يناير ... وشهداءَ يناير!
 
Posted by Muhammad | Permalink | 4 comments
Wednesday, October 09, 2013,19:35
المُكاتبات - العشرون

لقد كان يومًا رائعا، يومًا رائعًا بحق، وكنتُ سعيدًا جدا. نعم يا رفيقةَ التمشياتِ الطويلة، صار عندى الآن مسوّغٌ للحديثِ عن السعادة، ولو ليومٍ واحد!

لو أننا لم نلتقِ قبله، ولا عدنا نلتقى بعده، فكنا كغريبينِ التقيا بلا موعد، (وعلى موعد)، هكذا، حطّا من الفضاءاتِ المتباعدة، وتصافحا، كأنهما على متنِ قطار، كالفتاةِ والفتى فى الفيلم الذى نحبه، كغريبى امرىءِ القيس: "أجارتـَنا إنا غريبانِ هاهُنا/وكلّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ"؛ لو أن الأمرَ كان كذلك، لظلّ هذا اليومُ مما ينطبقُ فيه قولُ درويش: "على هذه الأرضِ ما يستحقُ الحياة".

كان يومًا مما يحنّ له المرءُ فى مغيبِ العمر، فيدمعُ – غبطةً – لتذكّرِه، يقولُ فى نفسِه: "لقد عرفتُ شيئًا من الفرح، ونفَذْتُ – ببعضِ التجاربِ – إلى مماسّةِ لحمِ الحياة". ربما لا يحدثُ ذلك كثيرا، لكنى أشعرُ بامتنانٍ بالغ؛ لحدوثِه من آنٍ لآن، وإن بعُدَ الفارقُ – كثيرًا – من الآنِ إلى الآن.

شكرًا يا ذاتَ الطربوشِ الأحمر!



حاشية: اتضح لى – بالتجربةِ المعاشة – أن حضورَ الغريبِ فارقٌ جدا يا إيمانَ الإهابات!
 
Posted by Muhammad | Permalink | 4 comments
,03:11
المُكاتبات - التاسعة عشرة
كلقاءِ الرومىِّ بشمسِ تبريز، كلقاءِ الحلاجِ بأبى العاصِ عمروِ بنِ أحمد، كلقاءِ جلجامشَ بأنكيدو، وكلقاءِ الصوديوم بالماء، كان لقاؤُنا.
حلّ الصوديومُ الذى فيكِ محلّ الهيدروجين الذى فىّ، فانبعثتْ طاقةٌ أحرقتْ غازَ القلبِ المتصاعد. كان انفجارٌ، وكان لهبٌ أزرق.

وأنتِ مصدرُ الفرقعات؛ روحى أخملُ من أن تكون وثّابةً بما يليقُ بصوتٍ هادر، وعيناكِ الواسعتانِ فى شقاوةٍ ... لهب.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 12 comments
Monday, October 07, 2013,07:04
Intertextuality
مارشاتكم جنائزية، وقلوبكم مثقوبة بالرحيل. جيوبكم ملأى بالحجارة(1)؛ التقطتموها – ابتداءً – لتكون علاماتٍ فى الطريق، ولما تُهتُم عن الهدف، ظلت هناك؛ لئلا يملأكم مزيدٌ من الخواء. "شكلٌ بلا قلب.‏‏ ظلّ بلا لون. قوةٌ مشلولة.‏‏ إشارةٌ بلا حركة"(2).

ينبئنى شتاءُ هذا العام أنكم ستموتون – وحيدين – ذاتَ شتاءٍ مثله، ذاتَ شتاء. ستموتون قبل أن تلحق رِجْلٌ رِجْلا(3)، بعد أن تؤدوا أدواركم كفزاعاتٍ قشيةٍ تطرد عصافيرَ البهجة عن حقول القمح؛ وقمحُكم أصفر.

وأنت يا من (لا) تعرف! أثبِّتُ عينىّ على عينيك الأسيانتين، وأسأل: لماذا عرفتَ الكثيرَ، وكان القليلُ شفاءك؟(4) ستعترف – فى الأربعين – أنها كانت حماقةً بالغة، إذ تختنق وسط حلقةٍ من حلقاتِ دخانِ التبغ. (لدخان التبغِ رائحةُ الورقِ الحائل). (الورقُ الحائلُ – كقمحكم – أصفر).

أنتم أحفاد والت ويتمان، غير أن لحاكم لا تنبت الفراشات(5)، بل الجنادب(6)؛ ولذلك، حين يجن الليل، تتداخل فى آذانكم أصواتُ الصرير. فى اليوم التالى، تصبحون مسوخا كافكاوية(7)، يستهلكها العابرون فى كلام عابر(8).

تفتح البنتُ حقيبتَها؛ لتزيد من كثافة الطلاء. يفتح الولد حقيبته؛ لأن البنت تفتح حقيبتها. هكذا، فى ميكانيكية تلقائية تثبت القانونَ الثالثَ من قوانين نيوتن للحركة. كان يجلس هناك، مستظلا بشجرة، ولما وقعت التفاحة على رأسه، فشَجّتْه، اكتشف حرارةَ دمه، واكتشف الجاذبية. عملت الجاذبيةُ على تقريب البنت التى تزيد من كثافة الطلاء، والولدِ الشبحىِّ الذى لا كثافة له، حتى اصطدما، وتساقطت الأحجار. بمسيل الدم، دُهشا – كثيرا – لبرودته؛ كان أكثرَ برودةً مما ظنا، ومما توقع خبراءُ الأرصاد.

وأنت يا من (لا) تعرف! أثبِّتُ عينىّ على عينيك الأسيانتين، وأسأل: لماذا تماديتَ فى الحزنِ يومًا، فشهرًا، فعاما؟(9)



1) كانت فيرجينيا وولف قد ارتدت معطفها، وملأته بالحجارة، ثم أغرقت نفسها فى نهر أوس.
2) الرجال الجوف (The Hollow Men) – إليوت.
3) ينبئنى شتاء هذا العام/أننى أموت وحدى/ذاتَ شتاء مثله، ذات شتاء ..... وقد أموت قبل أن تلحق رِجلٌ رِجلا/فى زحمة المدينة المنهمرة – أغنية للشتاء – صلاح عبد الصبور.
4) لماذا تماديت فى الحزن؟ – محمد إبراهيم أبو سنة.
5) فى قصيدته الغنائية إلى والت ويتمان (Ode to Walt Whitman)، كتب لوركا "لم أنقطع لحظة واحدة عن رؤية لحيتك المليئة بالفراشات".
6) ما هذه الجذور المتشابكة، وأية أغصان تنمو/من هذه الأنقاض المتحجرة؟ يا ابن الإنسان/إنك لا تقدر على الكلام أو الحدس، لأنك لا تعرف سوى/مجموعة مهلهلة من الصور، حيث تسطع الشمس/والشجرة الذابلة لا تلقى ظلا، وجندب الليل لا يجلب الراحة/وقد خلت الحجارة الجافة من خرير المياه – الأرض الخراب (The Waste Land) – إليوت.
7) Kafka's The Metamorphosis.
8) عابرون فى كلام عابر – محمود درويش.
9) لماذا تماديت فى الحزن؟ – محمد إبراهيم أبو سنة.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 10 comments
Friday, October 04, 2013,01:10
فى الحادية والثلاثين - السادسة
لماذا يقترن الخجل بالفعل الجنسى؟

يجيب الفيلسوف الألمانى شوبنهاور (وهو كئيبٌ ككرةٍ سوداءَ مصمتة) عن ذلك بأن الفعلَ الجنسى مُفضٍ إلى الإنجاب، والإنجابُ مُفضٍ – بدوره – إلى مناسبةٍ جديدةٍ للألمِ والموت. يبدو ذلك موجعا، ومضحكا، فى آن.

ومن قبل، أوصى حكيمُ المعرّة، أبو العلاء، أن يكتبوا على قبره: هذا جناهُ أبى علىّ/وما جنيتُ على أحد، ليُقرّ الحياةَ – التى أمضى جلّها رهينَ محبسيه – بوصفها جناية. كان أبو العلاء قد ألزم نفسه بما لا يلزم، لا فى "لزومياته" وحدها، بل وفى غير اللزوميات؛ فعاش ملتزما دارَه، لا يقرب لحمَ الحيوانِ ولا دهنَه ولا لبنَه، عازفا عن الإنجابِ والزواج. ثم إنه أضاف إلى محبسيه (العمى والدار) ثالثا، حيث "وكَوْن النفسِ فى الجسمِ الخبيثِ"، لتكون المحصلةُ ثلاثةَ سجون. وفى داليّته الشهيرة "غيرُ مُجدٍ فى ملّتى واعتقادى..." يعود ليُقرّ الحياةَ بوصفها تعبا، حد العجَبِ من "راغبٍ فى ازديادِ"؛ فالسرورُ وإن كان عنصرا داخلا فى تركيبها، إلا "إن حزنا فى ساعةِ الموتِ أضعافُ سرورٍ فى ساعةِ الميلادِ".

ومن قبل، كان الجامعةُ بن داود قد أطلق صيحته التى تردّدتْ فى جنباتِ العالمِ بأصداء العدم: الكل باطلٌ، وقبضُ الريح.

كتب الإسبانىّ دى أونامونو: ليست الحياةُ إلا مأساة، وصراعا مستمرا لا يعرف الانتصار، بل ولا حتى أملَ الانتصار. إنها تناقض، ولا شىء سوى التناقض!
 
Posted by Muhammad | Permalink | 4 comments