Wednesday, August 21, 2013,08:03
ذلك الخطأ
"تمضى الحياة كالقطار السريع يمر خطفا، من مواليد يطلبون رضعة الثدى وتغيير القماط المبلل وغسل مؤخراتهم، إلى أطفال يكوِّنون جملا مفيدة ويقولون نعم ويقولون لا أكثر من نعم لأنهم يكتشفون إرادتهم وأنفسهم. ثم إذ بهم، فى غمضة عين، صِبية يُقبلون على المرآة ويستعجلون الزغب يريدونه شاربا ويعتنون بمظهرهم لأن صَبيّة ما على الأبواب. أتابعهم، أتابع كل صغيرة وكبيرة وألف شىء بينهما لأننى أريد... ما الذى كنت أريده؟ كنت معهم فى القطار ولم أكن، لأننى منذ ذلك اليوم الذى أركبونا فيه الشاحنة ورأيت أبى وأخوىّ على الكوم [كوم الجثث]، بقيتُ هناك لا أتحرك حتى وإن بدا غير ذلك. ربما كنت أبالغ لأننى كنت أعرف بشكل غامض وغير موعىّ به تماما أننى خارج القطار". وتسأل: "هل كان أمين [الزوج] مثلى خارج القطار وهو داخله أم أن عمله كطبيب وفّر له قطارا خاصا ينتمى إليه ويروِّض الوحشة فى روحه؟"

هكذا تلخص رضوى عاشور – على لسان رقية الطنطورية – الحكايةَ إذًا، حكايةَ الذين يظلون على رصيفِ المحطةِ وإن بدوا داخلَ القطار. ولو استعدْنا سؤال عبد المعطى حجازى المُربك والمحير والمؤلم فى آن، من مرثيته للاعب سيرك، "فى أى ليلةٍ تُرى يقبعُ ذلك الخطأ"، لوجدنا إجابةَ رقية واضحة؛ إنها ليلةُ استباحةِ "الطنطورة" على يد عصابات الصهاينة، وقتلِ الأب والأخوين، ورؤيتِهم جثثا فوق كوم الجثث.

ورغم مأساوية الحكاية إلا أن رقية تبدو – فى هذه النقطة تحديدا – أكثرَ محظوظيةً من غيرها؛ إنها تستطيع أن تضع يدها على اللحظةِ التى بدأ معها "ذلك الخطأ"، لحظةِ انفصام الجسد الذى يصعد على متن القطار عن الروح التى تظل هناك على رصيف المحطة، فتكون المحصلةُ خارجَ القطارِ (مرادفِ الحياة)، وإن بدتْ داخله.

تبدو رقية أكثرَ محظوظية؛ لأننى لو سألتك – أيها العابر – عن اللحظة المحددة التى بدأ معها "ذلك الخطأ" فى حياتك، خطأُ الانفصامِ والكينونةِ 'خارج وداخل' فى آن، فلا أحسب أنه سيكون بمقدورك أن تحددها هكذا بوضوح؛ إذ تنسرب الأيام خطفا دون أن تمهلك وقتا كافيا لإدراك تفلّتها من فجوات الأصابع. ويوما ما، ربما على مشارفِ الخمسين أو الستين، ستستغرب الموقفَ تماما! متى انتقلتُ من حزن الصبا إلى حزن الرجولة؟! خصوصا والفارق بين الحزنين جدّ كبير.

الخدود المُرد التى تخشوشن باللحى، الشعر المتطاير، الجسد الطفولى الغض الذى تـُقسِّيه الصيرورة، المحيطون الذين يسقطون واحدا تلو الواحد، والبراءة التى تدهمها عجلاتُ التجريب... ستعايش التحولَ فى كل هاتيك الوقائع، غير أنك ستظل عاجزا عن إجابةِ التساؤلِ المُمضّ: متى كان كل ذلك؟ وهل عشتُه بحق؟ أنا الطفلُ الذى أراه الآن بعينِ الذهنِ لاهيًا فى حفلةٍ من حفلاتِ عيدِ الميلاد يحملُه الأخُ الأكبرُ على كتفيه، أو الصغيرةُ التى بدتْ أسنانُها فى تلك الصورةِ ذات الشعرِ المجدولِ فى ضفائر هو نفسُه/هى نفسُها "أنا" التى مرّتْ بالتجارب ودخنَتِ التبغَ وما عاد الصغارُ ينادونها باسمها هكذا عاريا بلا ألقاب؛ لأنها صارتْ من الكبار؟ أليس من المحتمل أن يكون راكبُ القطارِ ليس سوى شبيهٍ أدّى عنا الدورَ بينما نحن قابعون – بعدُ – هناك على المحطةِ فى انتظارِ الرحلة؟ ستتعجبُ كثيرا – أيها العابر – كيف غوفلتَ فى كل هذه السنواتِ دون أن تنتبه، وحين يأتيك الموتُ ربما لن تصدِّقَ أنك قد أمضيتَ هنا – تقولُ السجلاتُ – أكثرَ من نصفِ قرن!

لقد خانكَ الوقتُ يا سندباد!
 
Posted by Muhammad | Permalink |


17 Comments:


  • At Wednesday, August 21, 2013, Blogger إبـراهيم ... معـايــا

    بعد أن تعود الأمور إلى نصابها، وتهدأ ما يسمونها بالأوضاع، سريعًا ما يتكشَّف لنا كل شيء بين خيط الصواب وخيط الخطأ ..
    نجلس كـ رقيَّة وغيرها من المنذورات للحزن والمراقبة نعد على أصابعنا ما تبقى ..
    ونرحل!
    .....

    جميل يا محمد !

     
  • At Wednesday, August 21, 2013, Blogger YaSmine Akram

    فتكون المحصلةُ خارجَ القطار/مرادفِ الحياة، وإن بدتْ داخله
    ! = )

     
  • At Wednesday, August 21, 2013, Blogger سوبيا

    أقول: رُقية -أنثى الانتظار- هل أفادها تعيين تلك اللحظة؟!
    اقول هي التي قالت فصلا في الانتظار وحركة القطارات وبينما هي تنجب وتربي وتنتظر شيئا ما هل وجدت اجابة؟ ما الذي كانت
    تنتظره رقية على وجه التعيين؟ الاجابة هي الفيصل يا صديق .
    الإجابة تمنح الانتظار على المحطة أو الانخراط في الرحلة معنى وهدف.

    وكانت سلوى وزينب " زيتون الشوارع" تمنحان العقدة اتساعا
    سلوى التي لم تكن يوما في المكان الذي هي فيه
    وزينب حين تقول: "أنا زينب.. أنظر إلى نفسي الآن، ولا يخطر ببالي، لحظة، أنني أخطأت الاتجاه، حتى وأنا أنظر إلىهؤلاء الذين حولي وهم يرسمون صورتي، كما لو أنهم يرسمون
    النهايات"

    أتذكر مقولة في إعلان لشيء ما كانت تقول لا يهم أي طريق تسلك مادمت لا تتوقف.
    تكاثرت الأقاويل علينا يا صديق لكنني أدعو ألا أتوقف عجوزا في الخمسين في محطة المترو لا تعلم إلى أين تذهب.

    بالمناسبة.. أحببت جدا ما قرأت.

     
  • At Thursday, August 22, 2013, Blogger إبـراهيم ... معـايــا

    سوبيا:

    إنتي مجرمة قوي :)

     
  • At Thursday, August 22, 2013, Blogger سوبيا

    إبراهيم:
    اشتم اشتم.. ماهو دا تمامك :D

     
  • At Friday, August 23, 2013, Blogger Muhammad

    ابراهيم

    دائما ما راودنى هاجسُ أننا لن نعدَّ طويلا
    ربنا يرزقنا حسن الختام - ده المهم

     
  • At Friday, August 23, 2013, Blogger Muhammad

    ياسمين

    هو ذاك، وانتى ست العارفين

     
  • At Friday, August 23, 2013, Blogger Muhammad

    إيمان

    لا أدرى يا إيمان. عن نفسى، وددت لو استطعت تعيين هذه اللحظة، وإن بدا ذلك بلا فائدة

    يتبقى لى فى الرواية ما يقارب الخمسين صفحة، لكن حتى الآن لا يبدو أن ما أنجزته رقية قد أعاد إليها نفسها المفقودة هناك على محطة القطار عند يوم كوم الجثث. سلكَتْ طريقا وربتْ أربعة أبناء. كانت - فيما يبدو - أمًّا جيدة، وقد نضفى - من خارجٍ - على حياتها معنىً وهدفا، لكن يظل السؤال: هل بمقدورنا أن نزعم أن رقية التى على المحطة ورقية التى فى القطار قد صارتا واحدا من جديد؟ هل التأمتا وكأن يوم كوم الجثث لم يكن؟

    لم أقرأ زيتون الشوارع، وإن قرأتُ عنها. ربما تعرضت سلوى لتجربة مشابهة لتجربة رقية، لكن هل لزينب تجربة مماثلة جعلتها داخل وخارج فى آن؟

    تظل سلوى/الوطن هناك على الخريطة كما كانت قبل الاغتصاب/الاحتلال، لكنها فى نفس الوقت فى الشتات. للالتئام، لابد أن يعودَ الشتاتُ وطنا، وتعودَ رقية إلى الطنطورة، ويعودَ لها الأب والأخوان، ويعودَ لها فتى عين غزال. كما يقولون: لابد أن تعود عقاربُ الساعة إلى الوراء، وعقاربُ الساعة لا تعود إلى الوراء

    أخشى أن
    such traumas are irreversible

    Anyway, thanks for being here :)

     
  • At Friday, August 23, 2013, Blogger Muhammad

    إيمان

    أتذكر الآن نهاية "شرق النخيل" لبهاء طاهر. كان البطل قد تعرض لتجربة مماثلة بعد تعرض عمه وابن عمه إلى زخات من الرصاص وهما متحاضنان أمام مسجد. تنتهى الرواية بما يشبه أن يكون "ولادة جديدة" بعد إصابته فى تظاهرة من تظاهرات الطلبة فى سبعينات السادات. ربما هنا تكمن الإجابة: الولادة الجديدة

     
  • At Friday, August 23, 2013, Blogger Muhammad

    اعذرينى للاستطراد المتكرر يا إيمان، لكن يبدو أننا لمسنا واحدا من "تلك الأوتار". أود فقط أن أقول: ربما هذه المحاولة المستحيلة للصلح هى ما نحاوله فى الكتابة؛ مقضىٌّ عليها أن تراوغنا أبدا، ومقضىٌّ علينا أن نتابعها أبدا، وكلما أوشكنا على التماس، تفلتت. إنه حلم العودة الذى لا يتحقق، لكنه لا يفارق

     
  • At Saturday, August 24, 2013, Blogger سوبيا

    لا اعذرك.. استطرد أكثر.. :)
    لم أرى تعليقك الأخير قبل اليوم وكنت انتظر حتى تنهي الخمسين صفحة الباقية من الطنطورية.

    أطن يا صديق أن الأمر يتعلق بالقرارات .. كل قرار نتخذه- أو نُدفع نحوه دفعا- يقسمنا .. أو أننا دوما نترك بقايا خلفنا.. أفكر الآن أنها ربما لم تكن لحظة واحدة. أو خطأ فريد يبقينا على المحطة أو يجعلنا نركب القطار أو حتى يدفعنا منه فنسقط مرة أخرى خارج القطار..
    وربما لذلك نكتب فعلا ربما لتعيين لحظةلنصالحها.. أو نصالح أنفسنا على أنفسنا لنتقبل الأمر أخيرا ،لنتجاوزه ونتقبل ما صرنا إليه.. لنكون..
    أو للإحتفاظ بها أطول وقت ممكن.. لحظة بامكانها أن تجمعنا من شتات..كنت تقول نحن مملوءون قش وقتامة .. قش وقتامة .. ؟!وكثير من الـ.. ماذا نسميها يا صديق
    حين لا يرضينا شيء .. ليس طمعا(:P)
    .. أتفهمني؟

     
  • At Monday, August 26, 2013, Blogger Muhammad

    أطن يا صديق أن الأمر يتعلق بالقرارات .. كل قرار نتخذه - أو نُدفع نحوه دفعا - يقسمنا

    لول. جاءت هذه الملحوظة فى الوقت نفسه الذى أقرأ فيه عن "الأكوان المتوازية" - ارجعى إلى هذه النظرية الفيزيائية الغريبة؛ فربما - لو صح فهمى - وجدتِ لما تقولين أساسا علميا :)


    أفكر الآن أنها ربما لم تكن لحظة واحدة. أو خطأ فريد يبقينا على المحطة أو يجعلنا نركب القطار أو حتى يدفعنا منه فنسقط مرة أخرى خارج القطار

    نقطة مثيرة بالفعل، وتحتاج إلى مزيد من التريث قبل أن أرد ردا متعجلا


    أتساءل عن إمكانية حدوث هذه اللحظة .. لحظة التصالح/الجمع من شتات/التقبل
    أغلب الظن أن الاجابات ستختلف بين الصوفية - مثلا - وبين الفلاسفة وبين علماء النفس... إلخ


    حين لا يرضينا شىء دون أن يشى ذلك بالطمع!
    أظن أن ذلك هو بيت القصيد
    لا شىء يرضى لأن شيئا لم يحقق الالتئام/التصالح بعد
    ينسبون إلى المسيح قولا مفاده: ما فائدة أن تربح العالم وتخسر نفسك؟
    لم نفز بأنفسنا بعد


    والسلام :)

     
  • At Monday, August 26, 2013, Blogger Muhammad

    أعتذر عن أفكارى المشوشة كثيرا هذا المساء!

     
  • At Tuesday, August 27, 2013, Blogger سوبيا

    :)
    أساسا علميا
    "دا إحنا طلعنا جامدين أوي"

    ذكرتني بفيلم شاهدته يحكي عن نفس الموضوع "الأكوان المتوازية" لم يكن يسرد قوانين ومعلومات تمهد لشيء ربما سيكتشفه أحد ما في المستقبل ويجد له "سندا علميا" .. كان يحكي ما بعد ذلك -اكتشاف أرض أخرى وبشر آخرين- روية أرض أخرى فعليا في السماء يدور حولها قمر مشابه وإن تمادى إلى أنهم نحن بطريقة ما وبكل الطرق الممكنة ولكن كُسر التزامن بين الكوكبين عندما تم اكتشاف الأخير.. فما عادت تحدث نفس الأشياء لنفس الأشخاص -نفس الأشياء تتضمن فتاة اصطدمت سيارتها بسيارة أخرى حين أعلن مذيع ما في الراديو عن اكتشاف كوكب آخر في السماء وقتلت طفلا وأمه وتسببت بغيبوبة للزوج-.. بين قوسين السينما عندما تبحث عن السلوان.
    وكان فيلما جيدا.. جدا.

    نعم..هل فزنا بأي شيء بعد يا صديق؟!!

    لا أعذرك على الدوام.. ما نفعله هنا.. هو..
    :)
    والسلام.

     
  • At Tuesday, August 27, 2013, Blogger Muhammad

    أظن انى شفت الفيلم ده!
    Another earth
    هو ده، مش كده؟

    نعم، ما نفعله هنا هو..
    :)

     
  • At Tuesday, August 27, 2013, Blogger سوبيا

    أه هو
    كان حلو خالص.. مش كدا

     
  • At Wednesday, August 28, 2013, Blogger Muhammad

    كده :D

     

Post a Comment

~ back home