Tuesday, May 21, 2013,06:39
مواجيد
مفتتح: لا تصلحُ المحبةُ بين اثنينِ حتى يقولَ الواحدُ للآخرِ: يا أنا. [السرى السقطى]

بابُ ما كان

وكان فى اتساعِ عينيها ما دعاهُ إلى الخوضِ دون حذر، فأوشكَ أن يناديَها "يا أنا"، غيرَ أنه قد أمسكَ؛ مخافةَ ألا يأتيَهُ الصدى، وتغالبَ داخلَهُ الخوفُ والدفءُ وتدافعا، حتى كادَ الدفءُ أن يدفعَ ما عداه، لولا آثارُ رفساتِ الأفراسِ التى على جبينِه، والتى علّمتْهُ شيئًا من حكمةِ الصمت. تحسّسَ جبينَهُ، فتذكّر أياما مضتْ أثقلتْ على قلبِه، وانقبضَ من أن يدخلَ فى التجربةِ؛ لئلا يفجأَه فى نهايتِها شريرٌ آخر. لكنها تبدّتْ طيبةً – فى الدفءِ – كحَمَائمِ الحرم، حتى سكنَ إليها واطمأنّتْ روحُه، إلا أن لسانَهُ قد انعقدَ – رغمَ ذلك – فلم ينطقْ "يا أنا". كان فيما مضى أكثرَ استعدادًا لأن يقولَ دون أن يهتمّ لرجعِ الصدى، لكنّ قلبَهُ الآن – وقد تناثرَتْ فى سوادِ رأسِهِ شعراتٌ بيضاءُ – لم يعدْ فتيّا كما كان من قبل. كانت خيبةٌ أخرى جديدةٌ لتهزّهُ فتعودَ إلى السطحِ كلُّ الشروخِ التى لم تلتئمْ بعد. كانت خيبةٌ أخرى جديدةٌ لتصيبَهُ بالتصدّعِ كعمودٍ من الملح.

موقفُ الوحدة

أوقفَنى فى الوحدةِ، وقال لى: كلُّ ذلك ولم تفهمْ – يا غبىُّ – أنكَ تأتى ههنا وحدكَ، وتروحُ وحدكَ، وتقشرُ الأيامَ – عن لُبِّها المخاتلِ – وحدك. قفْ فى بطحاءِ مكةَ، ونادِ "يا أنا" ما شئتَ، فلن يجيبَكَ ولو رجعُ الصدى. كلماتُكَ تدافُعٌ فى الريحِ، وليس ثمةَ أذنٌ تصيخُ، لتهزّ وترًا فى فؤادٍ يهفو إليكَ، فيهتفُ بكَ "يا أنا" بلا حسابِ الربحِ والخسارة. وردْتَ ما وردْتَ، وسمعْتَ فما وعيْتَ، فوُكِلْتَ إلى نفسِكَ، فأوردتْكَ – بالوهمِ – المهالك. لا تصلحُ المحبةُ يا غبىُّ؛ إنّ الحبّ حلمٌ، والحلمَ دأبُ النائمينَ، حتى إذا ما انتبهوا رأوا وجوهَهم منعكسةً فى وجهِ الصخرة. تعالَ معى إلى الصخرةِ أُرِكَ أكوامًا من ركامِ الصورِ، وأُسمعْكَ صوتَ الجنادبِ، وأُشعرْكَ بملمسِ اللحمِ الممزقِ والعظامِ المفتتة. ركبوا رؤوسَهم، وظنوا – مثلَكَ – أن الليلَ مُنجلٍ، حتى دهمَهمُ الصبحُ، فما كان أمثلَ من صاحبه، ليجدوا – بالتجريبِ – ما وجدتَ، وقد أوقفناكَ وأفهمناكَ ألا تجدَ، فتواجدتَ ووجدتَ، حتى أخذَتْ بك المواجيدُ كلّ مأخذٍ، وما أجدَتْكَ، ولا هى – فى ساعةِ العسرةِ – قد نجدَتْك.

رسالةٌ إلى الحزن

أقمْ – يا ابنَ الزنا – فيما استعمرْتَ من أرضٍ؛ فنحنُ ميراثُكَ الذى آلَ إليكَ من أجدادِكَ غزاةِ قلوبِنا الغضّة. أقبلْ بخيلِكِ ورَجْلِكَ، وافترشْ باحةَ الصدرِ، وأعمِلْ فيها الرماحَ والسهامَ، ولا تدعْ للفرحِ منفذًا ولا محلا. اضغطْ بثقلكَ، واعتصرْ عظامَنا؛ لتُرضىَ خسةَ شبقِكَ الذى لا يعرفُ الرىّ. لم نعرفْ لك أبوينِ نشكوكَ لهما، مسافحٌ أنتَ، وابنُ سِفاحٍ، لقيطٌ، ونغلٌ، وأمُّك – لو فتّشْنا – مُقطِّعةُ بظورٍ تلتذُّ لمَرأى دمِنا المنزوفِ من بين الفخذينِ، وأمُّك – لو فتّشْنا – قحبةٌ تأذنُ لطُلّابِها بالسعالِ، وأمُّك – لو فتّشْنا – مكشوفةُ الوجهِ لتلدَ مثلَك.

أقبِلْ – تيّاهًا – فى مواكبِكَ الدبقةِ التى تعلقُ بأجسادِنا، فلا تزولُ مهما كحتَتْها محاولاتُ البهجة. تنجحُ أنتَ – يا وضيعُ – دائمًا، وتفشلُ كلُّ محاولاتِ البهجةِ؛ وكأنكَ تعرفُ مداخلَنا ومخارجَنا، وتعرفُ أينَ تضعُ بيضَكَ الذى يفقسُ فراخَ القتامةِ فى دهاليزِ أرواحِنا الخرِبة. ما خربَها غيرُكَ وغيرُ طغيانِ حضورِكَ الذى يمزِّقُ اللحمَ، فلا يدَعُ لنا – من أنفسِنا – سوى فتاتٍ مهترىء. فأقِمْ ههنا، وأفسدْ – علينا – كلّ فرحٍ مُختلَسٍ، وإيّاكَ، ثم إيّاكَ، فى القدومِ أن تتلكّـأ.
 
Posted by Muhammad | Permalink |


12 Comments:


  • At Tuesday, May 21, 2013, Blogger سوبيا

    :(

     
  • At Tuesday, May 21, 2013, Blogger إبـراهيم ... معـايــا

    جميل كالعادة ... ورائع

     
  • At Tuesday, May 21, 2013, Blogger حسين الحاج

    أنا عارف إن دا تسفيه مبالغ بس سامحني بقى، أول ما خلصت التدوينة افتكرت المثل القائل: تروح فين الشمس من على قفا الفلاح؟ :)

     
  • At Tuesday, May 21, 2013, Anonymous Anonymous

    وكانت خيبةٌ أخرى جديدةٌ لتصيبَهُا بالتصدّعِ كعمودٍ من الملح
    _

    هي لم يوجعها شيئًا أكثر من أن تُسبب لك كل هذا

    آسفة

     
  • At Tuesday, May 21, 2013, Blogger Sabrin Mahran

    ربما هي ظلال "التجليات" قد تبدت هنا
    و نعم ما صنعتْ
    \
    ممم باي ذا واي
    بين "باب ما كان" و"موقف الوحدة" يقف السقطي -صاحب مفتتح الـ أنت أنا- بقوله:
    "من أراد أن يسلم دينه، ويستريح قلبه وبدنه، ويقل غمه، فليعتزل الناس، لأن هذا زمان عزلة ووحدة"

     
  • At Tuesday, May 21, 2013, Blogger shaimaa samir

    محمد
    مرحبا

    اخر مرة لما تسائلت عن معنى لا يعول عليه كان سؤال لا ينم عن جهل بالمعنى ولكننى قصدت به شيئا اعتقد انك فهمته

    فى هذا النص
    انا كلى جهل بما اقرا
    ولم افهم
    وشعرت بالعجز الشديد لمرورى مرتين بقراءة متانية واعود خائبة واعاود القراءة الى ان قررت ان اقول لك هذا


    ولا اطلب منك تفسيرا
    ابدا

    انا مررت
    وشكراً

     
  • At Wednesday, May 22, 2013, Blogger Muhammad

    سوبيا

    yea :(

     
  • At Wednesday, May 22, 2013, Blogger Muhammad

    إبراهيم

    شكرا عميقا

     
  • At Wednesday, May 22, 2013, Blogger Muhammad

    حسين

    ما أحسب أن مثلك ينطق سفها. إنى أحبك فى الله

    أما الرأى فى الشمس فما رأيت؛ إنها لا تروح عن أقفيتنا، وكلنا سواسية - فى الفلاحة - كعيدان البرسيم

     
  • At Wednesday, May 22, 2013, Blogger Muhammad

    Anonymous

    لا تشعرى بالذنب يا صغيرتى
    لا تشعرى بالنذب
    فإن كل امرأةٍ أحببتُها
    قد أورثتنى ذبحةً فى القلب

     
  • At Wednesday, May 22, 2013, Blogger Muhammad

    صابرين

    يقول إبراهيم أبو سنة: لكنّ المجهَدَ إن ضحكتْ فى ليلته الأحلام
    طالتْ نومتُهُ

    وقال بعضهم: والطمعُ يُطمح أبصارَهم، واليأسُ يزجرهم، فلا يأسهم يدوم فينصرفوا، ولا طمعُهم يصح فيأتلفوا، أشبهَ شىءٍ بالمجانين، قد سمحت أنفسُهم بتلف مهجتهم عندما يطلبون، لو توهموه فى تيهٍ سلكوه، أو وراء بحرٍ سبحوه، أو وراء نارٍ تأجّجُ اقتحموها كالفراش إذا رأى ضوء النار لا يقصر عن تقحمها

     
  • At Wednesday, May 22, 2013, Blogger Muhammad

    شيماء

    تبالغين فى تقدير ذكائى؛ لم أفهم ما تعنينه بالسؤال واعذرينى

    لستِ وحدك من ليس يفهم يا شيماء. أنا أيضا لستُ أفهم. من حيرة رأيى وضلال ظنونى/يأتى شجوى ينسكبُ أنينى

    شكرا لرقيقِ مرورِك

     

Post a Comment

~ back home