Monday, April 15, 2013,07:49
فى الثلاثين .. أسئلة ومشاريع - الرابعة عشرة
"شيخُنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيّأهم، فما استطاع". هكذا يعقّب الحافظ أبو بكر بن العربى على شيخه الغزّالىّ، وما كان من حاله مع الفلاسفة. ولو كان لى أن أضيف إلى مقالة ابن العربى، لذيـّلتها بسؤال بلاغى يقصد إلى النفى، فقلتُ: من يستطيع؟

وأنا لم أستطع، وإن كنتُ قد عمدتُ إلى قليلِ الفلسفةِ الذى قرأته بوعى يقظ أردتُ له أن يقوم كحائط من فولاذ بين تكوينىَ العقلىّ والوجدانىّ وبين مقولات الفلسفة المغوية ومذاهبها؛ لأكتشف أن يقظتى لم تكن سوى وهم، وأن للـ "فكرة" قدرةً مذهلةً على النفاذ إلينا قسرا، وعلى نحو غير شعورى؛ حتى ليشبه تسللُها إلينا تسللَ الرياء كما ورد فى الأثر: أخفى من دبيب النملة السوداء فى الليلة الظلماء على الصخرة الصماء.

ولعل غياب هذا التأثر – فيما يذهب سيد قطب فى معالمه – أن يكون واحدا من أسباب عدة أدّتْ إلى تميز الرعيل الأول من المسلمين الذين اقتصرتْ مصدريةُ تلقيهم على الوحى: قرآنا وسنة، قبل أن يحتك خَلَفُهم بثقافات وافدة كثقافتى فارس واليونان؛ لنجد غضبةَ النبى محمد من فعل عمر الذى أصاب شيئا من التوراة فقرأه، وكان مما قاله النبى: والذى نفسى بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية.

ثم كان ما كان من اختلاط المسلمين بمنطق الإغريق ونشوء علم الكلام، حتى بلوغ اليوم الذى صار عاديا فيه – عاديا تماما – أن تجد مسلما ليبراليا، ومسلما ماركسيا، ومسلما حلوليا... إلخ، ليستحيل الإسلامُ مائعا يتشكل فى أى كوب يوضع فيه. وقد تأتّى كل ذلك بقلب اتجاه المعادلة من الدوران مع أدلة الأحكام حيث دارت؛ قصدا إلى النتيجة، أيا ما كانت، إلى تبنّى الفكرة الوافدة ابتداءً، ثم التأصيل لها – عسفا –؛ إضفاءً للشرعية والمشروعية؛ لتصبح الأدلة – التى هى الأصلُ – خبرَ الجملة لا مبتدأَها، وذلك إلى الحد الذى انبنت معه كثرةٌ من نظراتنا فى التراث على الوافد أكثر من انبنائها على النظر المباشر فى التراث نفسه. ومثال ذلك الاحتفاء بالتراث العقلانى للمعتزلة، والذى يرجع فى جزء كبير منه إلى التأثر بقيم التنوير الأوروبى، أو تلك النظرة الشائعة للحلاج بوصفه مناضلا سياسيا واجتماعيا – كما يتبدّى فى مأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور، مثلا لا حصرا –، تلك النظرة التى أسس لها بعضُ المستشرقين.

إن الإسلام لم يعد فى نظر كثير من المسلمين دينا ينسرب فى كل شىء على نحو ما تؤسس آية "قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين"، قدر ما غدا ظاهرةً يسرى عليها ما يسرى على سواها مما تمتد له الإنسانيات بالبحث؛ فنشأته خاضعة للظروف الاجتماعية والتاريخية عند الماركسيين، وهو قابل لإعادة الإنتاج على نحو ما فعل فلاسفة الاختلاف – على سبيل التمثيل – مع نيتشه وغيره... إلخ. أما الحديثُ عن إسلام محمد وأبى بكر وعمر وعثمان وعلىّ – لقد جئتكم بها بيضاء نقية – فاستحال ضربا من الجمود.

وعند مسلم، عن أبى هريرة، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء. وينقل النووى – فى شرحه للصحيح – عن القاضى عياض قولَه فى معنى الحديث: إن الإسلام بدأ فى آحادٍ من الناس وقلّة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والإخلال، حتى لا يبقى إلا فى آحادٍ وقلّة أيضا كما بدأ. اهـ. يقول السندى: (وسيعود غريبا) بقلّة من يقوم به، ويُعين عليه، وإن كان أهله كثيرا. اهـ. قلتُ: فطوبى للغرباء، الذين لم يتّبعوا سَنَنَ من كان قبلهم إلى جحر الضبّ .. حتى لو كان جحرا فلسفيا.

وما أبرىء نفسى إن النفس لأمارة بالسوء.
 
Posted by Muhammad | Permalink |


4 Comments:


  • At Monday, April 15, 2013, Blogger حسين الحاج

    واللهِ كنت بأفكّر زيك كدا من كام يوم من منطلق تاني ... نسأل الله الهداية وحسن الخاتمة.

     
  • At Monday, April 15, 2013, Blogger shaimaa samir

    مش بعرف ارد ع الموضوعات دى :)

    بس رديت على اللى قبلها وملحقتش ااقرا الباقى للاسف

    تحياتى

     
  • At Monday, April 15, 2013, Blogger Muhammad

    حسين

    آمين آمين

    طب ما توضحلى منطلقك كان ايه، وايه النتايج اللى وصلتلها؛ علّك تضىء لى مكانا لا أعرفه ولم أنتبه له

     
  • At Monday, April 15, 2013, Blogger Muhammad

    شيماء

    يكفينا مجرد المرور :)

     

Post a Comment

~ back home