Tuesday, June 10, 2008,23:46
في هجاء الكتابة

الحياةُ كالجنس، لا يصلح للحديث عنه ولا يصلح للمشاهدة. الجنس يُمارس ويُعاش .. وكذلك الحياة.

قليلٌ من الأدباء مَن يعتبر الكتابةَ وسيلةً يعيش بها حياتَه، لا غايةً في ذاتها. وكثيرٌ منهم مَن تشكك في قيمة الكلمة، وربما المعرفة على وجه العموم.

في كتابه القيّم (الشعر العربي المعاصر)، يطرح الناقد الدكتور عز الدين إسماعيل هذا التساؤل: ولا شك في أن تحصيل المعرفة متعة في ذاته، ولكنك قد تصل إلى مرحلة لابد أن تلقي على نفسك فيها هذا السؤال "ثم ماذا؟"

ثم ماذا بعد أن تقرأَ آلافَ المجلداتِ وتسفحَ نفسَك كتابةً فوق بياضِ مئاتِ الصفحات! يشبه الأمر ما حكته لنا إحدى القصص القديمة عن ديوجين حين سأل الإسكندر الأكبر وقد رأى ولعه بالفتوح والانتصارات:

- ماذا تريد أن تفعل؟
- أغزو فارس
- وبعد فارس؟
- أغزو مصر
- وبعد مصر؟
- أغزو العالم
- وبعد غزو العالم؟
- أستريح وأستمتع

ليسأله ديوجين: وماذا يمنعك من أن تستريح وتستمتع الآن؟

يعرف الكاتبُ نفسَ هذا الشبق الذي عرفه الإسكندر للفتوحات على مستوى القراءة/الكتابة/المعرفة ليقضي عمره ككلبٍ يشم روائحَ صيدٍ فيتبعُها على طريقة فاوست، حتى يُفاجأ ذات شتاءٍ بسنواته التي ولّتْ ولمّا يعرف الحياة.

يشق بطونَ الكتب بحثًا عن إجابةٍ لتساؤلاته ونشدانًا للمعرفة واليقين، إلا أنها لا تمنحه سوى الحيرة كما نجد في مقطع القديس - لصلاح عبد الصبور - الذي يستيقظ ذات صباح فيدرك حكمته التائهة في ارتعاشات البشر والأحياءِ بعد أن أحرق كتبَه:

وذات صباح
رأيتُ حقيقةَ الدنيا
سمعت النجمَ والأمواهَ والأزهارَ موسيقى
رأيت الله في قلبي
لأني حينما استيقظتُ ذات صباح
رميتُ الكتب للنيران، ثم فتحتُ شباكي
وفي نفس الضحى الفواح، خرجتُ لأنظر الماشين في الطرقات، والساعين للأرزاق
وفي ظل الحدائق أبصرتْ عيناي أسرابًا من العشاق
وفي لحظة
شعرتُ بجسمي المحموم ينبض مثل قلب الشمس
شعرتُ بأنني امتلأتْ شعابُ القلب بالحكمة
شعرتُ بأنني أصبحتُ قدّيسا
وأن رسالتي .. هي أن أقدسكم

وليس قديس صلاح أولَ من يرمي بالكتب إلى النيران كُفرًا بقيمتها وقيمةِ المعرفة أو ضنًّا بثمرات قرائحه أن تُلقى أمام دهماء الفكر. فقد سبقه إلى ذلك أبو حيان التوحيدي الذي يقول: وشقَّ عليّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها.

ومنهم أبو عمرو بن العلاء الذي دفن كتبه في باطن الأرض، وداود الطائي الذي طرحها في البحر، وسليمان الداراني الذي جمعها في فرن وأحرقها ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدتُ أحترق بك، وغيرهم.

يشبه موقفُ قديس عبد الصبور موقفَ فاوست كما صوره جوته، إذ يقول:

استوعبت علوم الفلسفة والفقه والطب جميعا، وتعمقت واحسرتاه في دراسة اللاهوت، وأنا المفتون المسكين - رغم هذه المعرفة المكتسبة بعرق الجبين - لا أبرحن جاهلا كغابر عهدي. حملت لقبي الأستاذ والدكتور، وأمضيت عشر سنوات في غير كلال أتابع محاضراتي في المعرفة، وأقود تلاميذي من أنوفهم ندور في حلقة مفرغة على دروب متعرجة وقويمة، وأعرف جيدا أن الجهل مصيرنا. يخال لي أني تفوقت على الآخرين جميعا، ولكنني بالمقابل حُرمت بهجة الصفاء والسرور. إن الكلب ليعاف مثل هذا العيش.

حتى يكونَ في حياته ما يشبه المنحنى الشخصي فيلتقي هيلين التي يطل من خلالها على الجانب الحسي والتجارب الحيوية، لتبدأ النشوةُ في الإشراق.

إنهما - قديس عبد الصبور وفاوست - يشتركان في إيمانهما بـ "إفلاس العقل الخالص، ووجوب إغناء المعاني الإنسانية عن طريق غنى المشاعر، والغوص في تجارب الحياة لتظهر روح الإنسانية سامية في طبيعتها الخالصة بفضل عمل الخير، لا عن طريق البقاء في نطاق التفكير المجرد"، بعبارة الدكتور محمد غنيمي هلال.

هذا الغوص في التجارب الحسية هو ما يحدثنا عنه ألبير كامو حين يتصدى للدون جوان كواحد من أبطاله الأبسورديين. فبينما يرى في فاوست شيطانا فكريا، يرى في دون جوان شيطانا حسيا يكرر التجربة ويعيش العمر في امتلاء.

وقد سبق لصلاح أن حمل على الكتب والتفكير المجرد في قصيدتيه السلام، وموت فلاح:

كنا على ظهر الطريق عصابةً من أشقياء
متعذبين كآلهة
بالكتب والأفكار والدخان والزمن المقيت
طال الكلام .. مضى المساءُ لجاجةً .. طال الكلام
وابتل وجهُ الليل بالأنداء
ومشت إلى النفس الملالةُ، والنعاسُ إلى العيون
وامتدت الأقدامُ تلتمس الطريقَ إلى البيوت
وهناك في ظل الجدار يظل إنسانٌ يموت
والكتبُ والأفكارُ ما زالت تسد جبالُها وجهَ الطريق
وجهَ الطريق إلى السلام

فبينما يلغط الشاعر ورفاقُه بالفلسفة الميتة، ينشغل الفلاح بصنع الحياةِ في التراب:

لم يكُ مثلَنا يستعجل الموتا
لأنه كل صباح كان يصنع الحياةَ في التراب
ولم يكن كمثلنا يلغط بالفلسفة الميتة
لأنه لا يجد الوقتا

ربما هذا التناقض هو ما دفع بأديب كبير كتوفيق الحكيم إلى أن يعلن في أكثر من مناسبة شكَّه في قيمة ما كتبه، وأن يبدي رغبتَه عقب حرب أكتوبر 1973 في أن يشارك في المعركة ولو بعمل يدوي بسيط يتجاوز به الكلام غير المجدي، كما يقول أدونيس.

لكن الأمرَ يقف فقط عند حدود التمني، فجرثومةُ المعرفة/القراءة/الكتابة حين تتمكن من الإنسان فإنها تجري منه مجرى الدم فلا يجدي معها تطعيم أو تحصين، أو كما يقول عبد الصبور: وليس ثَمَّ من رجوع.

هذه الجرثومة التي تتسلل حين لا يستطيع الكاتبُ أن يعيش أيامه حياةً، فيقضيها تأملا:

كلونِ أيامي التي ما اسْطَعْتُ أن أعيشَها حياة
فعشتُها تأملا

فليلُ الكتابةِ والتأمل لا يعرفه سوى مَن فقد نهارَ الحياة وعنفوانَها:

الليلُ ثوبُنا، خباؤنا
رتبتُنا، شارتُنا، التي بها يعرفنا أصحابُنا
"لا يعرفُ الليلَ سوى مَن فقدَ النهار"
هذا شعارُنا

يسافر شاعرُنا شرقًا ويعود بشيء من الحكمة كسندباد أوغل - حتى مانيلا - وعاد، ليُرَسِّخَ ما أشار إليه في مقطع القديس، فمانيلا لم تعطه التذكارات، بل:

أعطتني أن الفم لم يُخلق إلا للضحكِ الصافي الجذلان
أعطتني أن العينين
مرآتان يرى في عمقهما العشاقُ ملامحَهم
حين يميل الوجهُ الهيمانُ على الوجهِ الهيمان
أعطتني أن الجسم البشري
لم يُخلق إلا كي يُعلن معجزته
في إيقاع الرقص الفرحان
درسٌ عرفته روحي بعد فواتِ الأزمان
بعد أن انعقد الفم بضلالاتِ الحكمةِ والحزن
وأرخى ستر القلق الكابي في نافذة العينين
وتصلبَّ جسمي في تابوتِ العادةِ والخوف
بعد أن احترقتْ أو كادتْ بهجةُ عمري
إذ رمت الأيامُ رمادَ حياتي في شعري

نحن الآن بصدد الإجابة عن هذا السؤال:
من الأحق بأن يُدعى معلما ورائدا، أو شيخا واصلا كما يقول الصوفيةُ المسلمون.
أهو ذلك الذي قرأ وتثقف، وأنفق الليالي البيضاء في ضوء مصباحه الشاحب، وتعذب بإلقاء الأسئلة التي لا تُعطي جوابا إلا الحيرة.
أم هو ذلك الذي أحب الحياة والأرض والبشر، وجرّب كل شيء وترك كل شيء يجربه؟

والسؤال أيضا بلغة الإغريق الأقدمين:
هل نعيش في حياتنا عاقلين حكماء على شِرعة الإله أبوللو، أم نعيش بين مجاذيب الإله ديونيزيوس؟

خاتمة: لا تبكِنا يا أيها المستمعُ السعيد
فنحن مزهوون بانهزامِنا




فاوست - جوته
الناس في بلادي - صلاح عبد الصبور (شعر)
أقول لكم - صلاح عبد الصبور (شعر)
أحلام الفارس القديم - صلاح عبد الصبور (شعر)
تأملات في زمن جريح - صلاح عبد الصبور (شعر)
الإبحار في الذاكرة - صلاح عبد الصبور (شعر)
رحلة على الورق - صلاح عبد الصبور
كتابة على وجه الريح - صلاح عبد الصبور
شعر صلاح عبد الصبور الغنائي - د/ أحمد عبد الحليم
قراءة ثانية في شعر صلاح عبد الصبور - د/ أحمد عبد الحليم
الشعر العربي المعاصر - د/ عز الدين إسماعيل
الأدب المقارن - د/ محمد غنيمي هلال
ألبير كامي - عبد المنعم حفني

 
Posted by Muhammad | Permalink | 34 comments