Monday, October 22, 2012,05:23
عقيدة
من غريب ما قرأت مؤخرا شطرٌ من بحث لأحد الصوفية ينتقد فيه على السلفية تعريفها كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بأنها إنما تعنى "لا معبود بحق إلا الله"، إذ يرى إن فى ذلك مجافاةً لما يتبادر إلى الذهن من الكلمة، والمتبادرُ – وفقا للباحث – تقريرُها لله خالقا للكون.

أقول وخالقيةُ الله من معانى الربوبية لا الألوهية، ومكمنُ العجب أن مشركى العرب أنفسهم لم يماروا – أصلا – فى كون الله هو الخالق. قال تعالى "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله". فلو صحت كفاية هذا المعنى دلالةً على التوحيد، لانتفت المشكلة فى حق مشركى العرب. لكنْ لما فهم العربُ مقتضى لا إله إلا الله (وهم يعرفون العربية أفضل مما يعرفها الباحث)، وأنها تتطلب صرفَ العبادة كلها بجميع صنوفها لله وحده، كان كفرهم.

والمسألة بجملتها راجعةٌ إلى الخلاف القديم بين السلفية والصوفية، فالقوم – الصوفية – يريدون ذلك مدخلا لنفى الشرك عمن يصرف من العبادات لغير الله – كالذبح والدعاء والنذر – ما يصرف، ما دام مقرا لربوبيته* . ولإيضاح المقال أضيف: إن توحيد الألوهية مترتبٌ على توحيد الربوبية، فمن عرف أن الله ربُّه وخالقُه ومدبرُ أمرهِ كله، وجب عليه أن يصرف له كل وجوه العبادة. وبعبارة أخرى: فتوحيد الربوبية داخلٌ ضمن توحيد الألوهية، فمن عبد الله وحده لا يشرك به شيئا، لابد أن يكون قد اعتقد أن الله هو ربه وخالقه. وتوحيد الألوهية هو ما بعث الله به الرسل. قال تعالى "ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"؛ ذلك أن توحيد الربوبية يقر به جمهور الأمم، وليس ينكره إلا شواذ من الخليقة، وإنكارهم – وهذا معتقدى – ظاهرىّ لا حقيقة له. قال تعالى "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا".

ويتفرع على ذلك أنك لو سألت أحدَ هؤلاء المتقربين إلى قبور الصالحين ومقاماتهم بأنواع من العبادة عن شركية ما يفعل، لقال إنه ليس من الشرك فى شىء؛ ذلك أنه لا يعتقد فى ساكن القبر خالقا أو مدبرا، بل وسيطا ذا جاه عند الله يُتوسط به – أى صاحب القبر – عند الخالق.

"تشابهت قلوبهم". وهذا عين ما قاله مشركوا العرب كذلك. قال تعالى "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله"، وقال "والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى". ثم إن آية البقرة لم تدع مجالا لوسيط، "وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان"، فلم يقل الحق: وإذا سألك عبادى عنى فقل إنى قريب.

ثم أقول – من عندياتى – إن فعلَ الصوفية إغرابٌ للعبد عن مولاه، وربطٌ وتعليقٌ لقلب الإنسان بغير مُوجده. إن النموذج الذى يريدنا الله أن نستحضره فى كافة الأفعال هو نموذج الصلاة، هكذا بمباشرتها التى يوجد فيها العبدُ وحيدا عاريا – إلا مما يستر سوءتَه – أمام الله. يقول العبد "الحمد لله رب العالمين"، فيقول الله حمدنى عبدى، ويقول العبد "الرحمن الرحيم"، فيقول الله أثنى علىّ عبدى... إلخ. هكذا بلا واسطة تقطع أُنسَ المناجاة. بهذه العقيدة الصافية يستشعر العبدُ المعنى الواردَ فى الأثر: أين تذهب، ألك رب سواى؟، وبها يستشعر العبدُ وجودَه تعينا شخصانيا أمام إله لا ملجأ منه إلا إليه، ولا استعاذة منه إلا به، فتنقطع الأسباب عما سواه، ويتعلق به وحده القلبُ، فتزول وحشتُه، ويهتز غبطةً.

وما دمتُ قد بدأتُ بالربوبية والألوهية، فلأشر – إجمالا – إلى ما أعتقد فى الأسماء والصفات، وخلاصته: الاعتقادُ بأن آيات الأسماء والصفات من المُحْكَم لا من المتشابه، وأنها توقيفية، فلا أثبت لله إلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له نبيه، ولا أنفى عنه إلا ما نفاه عن نفسه أو ما نفاه عنه نبيه، ولا أسميه – كالفلاسفة والمتكلمين وبعضِ الكُتاّب – موجبًا بذاته أو علةً فاعلةً بالطبع أو فنانًا أو ما شابه ذلك مما لا يليق بذاته جل شأنه.

والاعتقادُ بأنها – آياتِ الأسماء والصفات – على ظاهرها. سُئل الإمام مالك – رحمه الله – عن قوله تعالى "الرحمن على العرش استوى"؛ كيف استوى؟ فأجاب: الاستواءُ معلوم، والكيفُ مجهول، والإيمانُ به واجب، والسؤالُ عنه بدعة. فجعل الاستواءَ معلومًا ولم يفوّض معناه ولم يتأوّله كفعل الأشاعرة – مثلا – الذين يحملونه على معنى الاستيلاء (وليس هذا من لغة العرب)، زعمًا – من عند أنفسهم – أن فى ذلك تنزيها لله عن مشابهة خلقه، رغم أن مالك بنفيه العلم بالكيف يكون قد خرج من دائرة التشبيه. ونحن نقول إن لله ذاتا ولمخلوقاته ذوات، ولا تلزم من ذلك – ضرورةً – مشابهةُ ذاتِهِ – جل شأنه – لذوات مخلوقاته. قال تعالى "ليس كمثله شىء"، فنفى عن نفسه مشابهةَ خلقه، وقال "وهو السميع البصير"، فأثبت لنفسه السمع والبصر، وكيفُهما مجهول، خلافا للمعطِّلة الذين يقولون سميع بلا سمع وبصير بلا بصر ولم يكلم موسى تكليما (نفيا لصفة الكلام)، فينفون عن الرب ما أثبته لذاته، وكأنهم به أعلم منه. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

يقول قائلهم:
*وكل نص أوهم التشبيها ... أوّلْه أو فوّضْ ورُمْ تنزيها

وليس هذا من عمل السلف الذين قالوا "أمروها كما جاءت" فى شىء، فليس صحيحا ما ينسبونه إلى سلف الأمة من تفويض معانى الأسماء والصفات، وقد تقدم مثال مالك. وكأنى بالقوم يقولون لى: لا ترجع إلى نصوص الكتاب والسنة؛ لأن فيها ما يوهم التشبيه، واستعض عن ذلك بقواعد المتكلمين وأقاويل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية.

إذًا، فمعانى صفاتِ الله تعالى معلومةٌ يجب اعتقادُها، وأما كيفيتها فهى مجهولةٌ لنا لا يعلمها إلا الله تعالى.**

وأخيرا: فالله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. والنصوص فى إثبات صفة العلوّ كثيرة، لا يتسع لها المقام. هذا وما كان من توفيقٍ فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو فمن نفسى ومن الشيطان.



* البيت من منظومة "الجوهرة" فى علم الكلام على مذهب الأشاعرة، لإبراهيم بن إبراهيم اللقانى.

** وهذا ما عليه الاعتقاد فى سائر الصفات التى أوردها النصان القرآنى والنبوى، كالحياة والعلم والإرادة والوجه والغضب واليدين، وغير ذلك.

* تنقيح: لعل الأقرب إلى التحقيق أن تُعزى المسألة - بالأحرى - إلى الخلفية الأشعرية للباحث؛ فهو أزهرىّ، والأزهر على نهج الأشاعرة. ومخالطة التصوف لمذهب الأشاعرة له قرون. ومن أبرز نماذج هذه المخالطة الغزّالىّ أبو حامد الملقب بحجة الإسلام، غفر الله له وعفا عنه. والله أعلى وأعلم.
 
Posted by Muhammad | Permalink |


3 Comments:


  • At Monday, October 22, 2012, Blogger حسين الحاج

    أتفق معاك في نقاط كثيرة.

    بس أحب أشير نظرك إن مش كل آراء الصوفية واحدة في مسألة مثل التوسل بالصالحين والدعاء عند قبورهم. في مسألة الذبح مثلاً لما يقول البعض "أنا نويت أدبح للحسين" فهو مش بس لا يعتقد في إلوهية الحسين وبرضه لا يعتقد في وساطة الحسين عند الله. وإنما هو يهدي ثواب اللي ذبحه لله مش لنفسه ولا أهله ولكن للحسين حبًا في آل البيت واللي هو واجب لأن إحنا بنصلي عليهم في كل صلاة بنصلي فيها على النبي.
    كل اللي عايز أقوله إن الرأي مش واحد والعلم مختلف بينهم.

    بالإضافة إن النموذج اللي ذكرته في الفقرة السادسة عن علاقة العبد بربه قريته في أغلب كتب الصوفية اللي قريتها.
    وزي ما فيه غلاة بين المتصوفة فيه غلاة بين السلفية.
    ويمكن اللي إحنا محتاجينه هو التقريب بين المذاهب أو ما يمكن أن أطلق عليه تسلف الصوفية وتصوف السلفية.

     
  • At Tuesday, October 23, 2012, Blogger Muhammad

    حسين باشا
    عاش مين شافك

    صحيح ان الصوفية مختلفون وليسوا قالبا واحدا، لكن كلما بعُد الزمان عن زمن الرسول وصحابته ثم تابعيهم زاد تفشى البدع، حتى لأزعم أنك قلما تجد الآن صوفيا لا ينغمس فى تلك الممارسات. وأنا – شخصيا – لا اعرف صوفيا لا يقول - على الاقل - بالتوسل، او صوفيا يجد غضاضة فى (بل يستحب) الصلاة فى المساجد ذات القبور. خصوصا والازهر نفسه يدعم الاتجاه بصور مختلفة، ولأسباب بعضها سياسى او منفعى

    يعنى انا فى الحقيقة لم افهم معنى اهداء الثواب هذا. يعنى كده تكييف الفعل يبقى ايه؟ نذر؟ طيب النذر يكون لله تعبدا، وأرجع تانى لنقطة العلاقة بين العبد وربه. انا العبد أنذر لله نذرا، ثم يحين أجله فأوفيه. ما علاقة الحسين رضى الله عنه بذلك؟ وعلى اى شىء ترتكز فكرة التطوع بالحسنات هذه؟ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. فإلى أى الثلاث ينتمى هذا "الثواب" المهدى للحسين بالنسبة للحسين؟ وفى السطر الاخير هل تحاول قياس ذلك على صلاتنا على آل البيت فى الصلاة؟ كيف قام عندك هذا القياس؟ ثم ان نساء النبى داخلات فى آل البيت عند اهل السنة، فلماذا لا يفعلون الشىء نفسه مع عائشة مثلا؟ او مع الصحابة، ونحن نصلى عليهم كذلك؟ لا أرى لذلك سببا إلا التأثر بالفكر الشيعى الاثنى عشرى تحديدا

    ايضا انت تعرف كيف بدأت عبادة يغوث ويعوق ونسر فى قوم نوح. بنفس هذه الطريقة. تمجيد الصالحين والاحتفاء بهم، ثم يطول الزمان فيتحول التمجيد إلى إشراك. هم يقولون إن ذلك لم يعد ممكنا، لكن الواقع يكذب ذلك. فكما أن هناك من النماذج ما ذكرت، فمن النماذج ايضا من يتوجهون بالدعاء للحسين نفسه – هكذا مباشرة. يا حسين نجحلى الواد، او يا حسين عاوزة ولد، او مدد يا سيدى المرسى مدد إلخ. وده – برده – تأثر بالاثنى عشرية التى تعتقد ان لأئمتها تصرفا فى الكون، واطلاعا على الغيب. (ودخول التشيع الى مصر بهذا الزخم الذى نلحظه الآن كان فى بدايته متسترا بالعباءة الصوفية)

    الفقرة السادسة تحديدا كنت اكتبها وانا اعرف ان فيها نفَسَا صوفيا، وتوقعت ان تأتينى الرياح من هذا الباب :D
    ولا اكذبك لو قلت ان عندى ميلا صوفيا، لكن وفقا لتصور احاول – قدر العلم – أن يظل منضبطا بالعقيدة التى ارتضيتها
    وقد تصح رواية هذا المعنى عن الصوفية، لكن الواقع لا يطابق ذلك، خصوصا فى المثال الذى طرحتُه آنفا، وفى مثال آخر وهو علاقة المريد بشيخه

    هذا الكلام غير قابل للتعميم المطلق على الصوفية منذ نشأتها، وبدعهم مختلفة ومتفاوتة، لكنه الغالب فى حق عامتهم، وما سواه صار استثناء، خصوصا بعد القرون الاولى، ولهذا لا اعتبره من فعل الغلاة، بل ما عليه العمل فى اغلب طرقهم

    اما التقريب فأنا لا اعوّل عليه بالمرة، سواء كان سلفيا صوفيا، او سنيا شيعيا، او اسلاميا مسيحيا إلخ. لا افهم الفلسفة وراء التقريب. جمهور الاصوليين على الرأى القائل بأن لله حكما معينا فى كل مسألة قبل الاجتهاد، فمن وافقه فهو مصيب، ومن لم يوافقه فهو مخطىء (مأجور). وذلك فى مقابل الرأى القائل بأنه لا حكم لله قبل اجتهاد المجتهد، بل حكمه ما أفضى إليه الاجتهاد، فما غلب على ظن المجتهد فهو حكم الله

    اذا كانت هذه هى الحال فى جزئيات الفقه، فكيف بها فى العقائد؟ العقائد اما حق واما باطل، ولا سبيل الى التقريب فى منتوج ديالكتيكى يجمع هذه وتلك. واذا كان عندنا بحبوحة فى الفقه، فليس عندنا مثل هذه البحبوحة فى العقيدة، بل مطلوب من المسلم ايا كان زمانه ومكانه ان يكون على نفس معتقد النبى وصحابته بلا اى تغيير، والتقارب، هل يمكن ان يتأتى بلا تغيير؟ قال تعالى "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق". هكذا هى الحال. يُقذف الحق على الباطل فيدمغه فيزهق الأخير

    وعذرا للإطالة
    لكنها إطالة المهتم

     
  • At Tuesday, October 23, 2012, Blogger Muhammad

    ولو كان التقريب هو محاولة التأكيد على المشتركات، فهو تمييع، لأنه سيضيع الاختلافات، وهى الاهم، وعلى اساسها يكون التمايز

     

Post a Comment

~ back home