Thursday, February 04, 2010,19:33
تجاوز دوت كوم

تخرج علينا السيدة/ أحلام مستغانمى بكتاب يُحظر – كما تقول – بيعه للرجال وتجعل من النسيان محورا له. تستهله بعبارة "أحبيه كما لم تحب امرأة، وانسيه كما ينسى الرجال"، لتقرن – منذ أولى الصفحات – بين النسيان (الذى يتخذ طابعا غادرا فى هذه الحالة) والذكورة.

أقول: وليس هذا النسيان الهين من شيم الرجال الرجال (كما تسميهم الكاتبة نفسها)، هؤلاء الذين تدهمهم عربات التذكرات (والماضى الذى كان) أكثر مما تدهمهم عربات اللحظة الآنية! فالمرأة إذ يموت عنها الزوج تصبح – ببساطة – أرملة، أما الرجل الذى تموت عنه الزوجة فيمسى يتيما.

أقول: ولا حاجة لنا بكتاب عن النسيان والآليات الموصلة إليه، فالغاية – على مستوى التطبيق – صعب منالها، خصوصا أن المرء لا ينسى لمجرد الرغبة أو توفر النية. والأكثر من ذلك واقعية – أزعم - أن ترشدنا الكاتبة إلى طريق يوصل فى نهايته إلى القدرة على التجاوز والاستمرار رغم ندوب القلب، فيستحيل الماضى صفحةً فى كتاب ينتمى إلينا وننتمى إليه، وتجربةً مُرَّةً وإن ظلت تسكن الروح إلا أننا نبلغ على أنوارها الكاشفة مرفأ المستقبل، واعين تمام الوعى بما كان، لكنْ مع القدرة على الحياة معه كمرض لا سبيل إلى التخلص منه. أما التظاهر بأن ما كان لم يكن – فضلا عن تصديق هذه الكذبة - فأمر لا يقبل العقل (عقلى على الأقل) إمكانية حدوثه واقعيا.

تجارب الماضى المؤلمة عاهة تصيب الإنسان فلا يملك لها دفعا. ولا يمكنك أن تقول – ببساطة – لرجل أصابه العمى تناسَ عماك، كما أن الركون إلى هذا العمى وإدمانَ التفكير فيه خليق بأن يقتل المرء وهو بعد على قيد الحياة فلا يتحرك إلى الأمام شِبرا. وأفضل الحلول فى هذه الحالة أن تُعوّده الحياة مع عماه كنقطة على الطريق يمكن استئنافُ السير بعدها وليس كنقطة نهاية، ليصبح بمقدوره تجاوز العاهة/الجرح، مع وعيه التام بوجودها/وجوده. ولصعوبة ذلك، كان الرضا (المتجلى فى صورة الوئام مع الذات) من فُضليات الخصال.

تقول مستغانمى: ماذا لو جربنا الاستعداد للحب بشىء من العقل؟ لو قمنا بتقوية عضلة القلب بتمارين يومية على الصبر على من نحب. أن نقاوم السقوط فى فخاخ الذاكرة العاطفية التى فيها قصاصنا المستقبلى. أن ندخل الحب بقلب من "تيفال"، لا يعلق بجدرانه شىء من الماضى. أن نذهب إلى الحب دون جراح، دون أسى، لأننا مصفحين ضد الأوهام العاطفية. ماذا لو تعلمنا ألا نحب دفعة واحدة، وألا نعطى أنفسنا بالكامل، وأن نتعامل مع هذا الغريب لا حبيب، بل كمحتل لقلبنا وجسدنا وحواسنا، ألا يغادرنا احتمال أن يتحول اسمه الذى تنتشى لسماعه حواسنا، إلى اسم لزلزال أو إعصار يكون على يده حتفنا وهلاكنا؟

أغلب الظن أن الكاتبة قد عانت مرارات حب خائب، أو – على أقل تقدير - قد شغلها الموضوع حد الإدماء، فلم تلحظ أن الوهم بعينه هو ما تدعونا إليه، وليس ما نمارسه من "أوهام عاطفية". إذ ماذا يبقى من الحب – على الأقل كما نعرفه نحن الشرقيين – لو غلفناه بالتعقل وولجناه بعضلة قلب مقوّاة ضد اللهفة على المحبوب؟ ماذا يبقى منه لو لم نعطِ أنفسنا بالكامل دفعة واحدة فيحتلنا الحبيب ونحتله ويصير الكل واحدا؟
إن ما تدعونا أحلام مستغانمى إلى الوقوع فيه هو شىء آخر سوى الحب.

الكتاب موجه إلى النساء من بنات جنس الكاتبة. ورغم كل ما فيه من تعميمات واتهامات للرجل العربى إلا أنه لا يثير الحفيظة، فليس من الإنصاف – ليس من الإنصاف أبدا – أن نأخذ هذا الكتاب على محمل الجد.

وختاما: هلّا خرج علينا كاتب من الرجال يخبرنى عن التجاوز! فأنا – بعدى – غرّ لم أضع قدمىّ على أول الطريق!

قوموا إلى شئونكم يرحمكم الله.

 
Posted by Muhammad | Permalink |


0 Comments:


Post a Comment

~ back home