Thursday, January 25, 2007,03:37
وجه

واحد من الوجوه التي مرت .. يومض كالفلاش كلما أدرت شريط الذاكرة .. تماما كما تومض كل الوجوه الراحلة - سفرا, و موتا, و غيابا في جلباب الزمن - و حضورا قويا في فعل التذكر .. لتبقى مساحة الحنين التي تقاوم التآكل المتسارع في آدميتنا .. و الذي يُعرف - علميا - بظاهرة التصحر.

يطل عليّ من منفاه الإرادي بين الحين و الآخر. يأتيني بصمته القلق, و إطراقة رأسه المتوتر .. و تأتيني - معه - كلماته التي ساهمت في تفتحي للعامية بعد أن لججت - كثيرا - في رفضها:

امسك دماغك اوي
كلبش في احلامك
و ارسمها صورة للزمان
ان كان .. تكون
و ان لم يكون .. ارسمها من تاني
ميهمنيش مين كان فاكرني و مين نساني
يهمني اني لو افتح صدري .. القاني
امسك دماغك اوي .. كلبش في احلامك

لم يخلُ الأمر من خدعة .. فبعد أن أمسكت برأسي, و حاولت - يائسا - أن أتشبث بأحلامي .. تماما بعد أن أمسكت برأسي, و حاولت التشبث بأحلامي .. تركني و غادر إلى الشمال.

كان يسبقني - في الطب - بدفعتين .. و في الشعر بجيل أو اثنين: اطلاعا, و ميلا, و إبداعا .. فبينما كنت أميل إلى صلاح عبد الصبور - خاصة - و رواد التفعيلة - عامة - ثم الذين يلونهم من شعراء الستينات, كان يميل إلى أدونيس (و إن كان من الرواد) و مريديه الذين ملئوا السبعينات تجريبا - نتفق على أصالته أو لا نتفق - و غموضا و إحساسا بمرارة هزيمة العام السابع و الستين .. من خلال رؤية متشظية لواقع متشظ, عززته السياسات الساداتية .. (ربما لذلك نزح إلى الشمال الذي آوى كثيرا من مثقفينا في سبعينات القرن العشرين - هل نحن حقا في القرن الحادي و العشرين) .. ثـم تابـع يرحمـه الله (و إن كنت أعرف أنه ما زال حيا في الشمال) تجليات شعراء الثمانينات, و صخب التسعينات - انتهاء بالمشهد الشعري الراهن الذي كففت عن متابعته.

كنت - و ما زلت - أخطو في الشعر بخطوات أكثر رزانة, بينما كان يخطر في الشعر يحمله التوتر .. حتى بعد أن حملتنا الشواديف من هدأة النهر لتلقي بنا في جداول أرض الغرابة .. حتى بعدها, ما زلت أكثر تحفظا من زميلي الذي - حتما - زاد توتره بعد أن رحل إلى فرنسا.

عشقت صلاح عبد الصبور - غنائيا, و مسرحيا - تماما كما عشقت بهاء طاهر في القص - و ملت ميلا شديدا إلى إبراهيم أبو سنة و إنجازاته المتئدة التي تضيق الرومانسية عن استيعابها, و تعلقت بملك عبد العزيز راهبة هامسة, لتتوالى الأصوات المتميزة و المتمايزة - قبل أو بعد ذلك - بدءا من بدر شاكر السياب شاعرا يتصف مشروعه بالعظمة, حتى آخر ثرثار اطلعت على إنتاجه في العربية .. في حين مال زميلي - في الطب, و الشعر - إلى محمد عفيفي مطر, و أدونيس, و بودلير, و رامبو .. لا أذكر من تلك الأيام البعيدة - الآن - أكثر من هؤلاء ممن أحبهم.

دعت الجمعية الأدبية بكليتنا الشاعرة علية الجعار (لا أدري ما المميز جدا في علية الجعار حتى قاموا بدعوتها) إلى لقاء مفتوح مع الطلبة. كنا - في تلك الأيام البعيدة القريبة - نعيش حمى الانتفاضة الثانية. تسمع أغنية فيروز عن الغضب الساطع, و نهر الأردن الذي سيمحو آثار القدم الهمجية أينما توجهت - و رغم أن الله قد أطال في عمري إلى يومنا هذا, فلم أر غضبا و لا نهرا .. بل كلما ارتفع صوت فيروز بالغناء المتوعد, كلما ازدادت آثار القدم همجية, و عبثا .. و كأنهما طرفا علاقة طردية بين الجميل من جانب, و الدود و اليهود من الجانب الآخر .. ليت فيروز تكف عن الغناء علّ جديدا يحدث - تسمع الأغنية أينما توجهت, و ترى ملصقات الإخوان على كل حائط .. حتى زادت الحمى و رثى العرب - جميعا - محمد الدرة, الذي اتضح - فجأة - أنه أخو الجميع.

جاءت علية و قالت ما قالت ثم بدأت المساحة المخصصة لإبداعات الطلبة .. و الحق الحق أقول لكم: لقد أبدعوا. بكى الجميع أو تباكوا على القدس الجريحة و العرب المتفرقين .. بكوا على محمد الدرة على الأخص .. و وصفوا شارون بالشرير, و الإرهابي, و دراكولا العصر, و الخنزير - تماما كما فعل فاروق جويدة في تلك الفترة, و كما يفعل أحمد مطر في سائر الفترات .. شعر كالشعر, و ما هو بشعر .. قصائد طنانة تقتضيها المرحلة, ثم ما أن تخبو "الهوجة" حتى تموت القصيدة .. لا تجد فيها ما يستحق القراءة, و لو حتى من باب الاجترار. لم يفلح أحدهم أن ينتج شعرا كشعر محمود درويش - أذكر الآن كم أحبه زميلي - أن يبحث في الآني عن الدائم, و في المرحلي عن الخالد.

جاءت علية و قالت ما قالت, ثم بدأ زميلي يقول .. و ماذا قال تحديدا؟ لا أذكر الآن .. لكني أذكر الانطباع العام على وجوه الطلبة, و ضحكي المكتوم, و دهشة علية حين أجابها بتأثره في القصيدة بالشاعر الفرنسي رامبو, و دهشته من دهشة علية, و دهشة الجميع من الموقف. انتهى الحفل, و رحلت الشاعرة, و بدأت و زميلي الذي غادرنا إلى الشمال في اغتياب المرأة.

- بتقولي بودلير و رامبو من ثقافة تانية غير ثقافتنا فمينفعش نكتب زيهم
- يا عم ما انت شايف الناس كلها بتتكلم عن فلسطين .. حد قالك تقوم تتنطط و تقول رامبو, و كمان قصيدة نثر

لا أملك نفسي من كثرة الضحك - الآن - كلما تذكرت ذلك اليوم .. شيء ما يجعل للذكريات سحرا منفردا, حتى و إن كانت حاضرة من أيام مؤلمة .. كأيامنا تلك التي عانينا فيها التمزق بين طب لم نرغب فيه, و شعر أرانا أوسع مما نطيق, و أدمانا فما زلنا - بعد - ننزف.

أتساءل - الآن - بعد مرور كل هذه السنوات التي لم أنجز فيها شيئا يذكر, لو أن زميلي الذي في الشمال رآني و سمع مني .. بعد أن أحببت العامية, و قبلت النماذج الجيدة من قصيدة النثر, و أعجبت - بقليل أو كثير - من نتاج أدونيس و مريديه, و حاولت أن أستعين بتقنيات جديدة لم يستعن بها جيل الستينات, و أخيرا - بعد أن هجرت الشعر, و الطب .. كليهما. أتساءل: ماذا كان سيقول؟

Hypocrite lecteur
mon semblable -- mon frère

أما عن أمل دنقل .. فهو الوحيد الذي اتفقنا على الإعجاب به في تلك الأيام, و هو من كنت أنوي - أصلا - أن أكتب عنه. لكن - كالعادة - يا صديقي, إذا ركبت كلاما فوق كلام .. من بينهما استولدت كلام .. ليستحيل الحديث عن أمل إلى حديث عن الغائب الذي صدق أمل, فترك هذه الأرض, التي ما وعد الله بها من خرجوا من صلبها
و انغرسوا في تربها
و انطرحوا في حبها - مستشهدين
فادخلوها بسلام آمنين

 
Posted by Muhammad | Permalink |


5 Comments:


  • At Saturday, January 27, 2007, Blogger Diyaa'

    كلمة زميل قليلة في حقه ..

     
  • At Monday, January 29, 2007, Blogger Ferekico

    لا مش معقول
    الاستاذ ضياء تكرم و تعطف و تواضع و زارني .. استر يا رب
    و الله منور يا عمنا
    الشاي يا امينة

    تصدق مكنتش عاوز حد ياخد باله من كلمة زميل دي .. يعني ميقلش مكتبتش صديق ليه
    بس مضحكش عليك .. علاقتنا موصلتش لدرجة الصداقة, فمرضتش اكتب صديقي فلان

    شرفتنا بالزيارة يا ريس

     
  • At Tuesday, January 30, 2007, Blogger saso

    قريت البوست في المكتب ..مش بضمير قلت استني .. قبل ماأقرا مبروك علي الشكل الجديد ..ميرسي انك سهلت عليا القراءة من اللون الأسود

    بعد القراءة بقي ..حبه عقل
    الاتفاق علي أمل .. راجعت أسماء كل من أعرفهم لم أنل نقاشا ما حول أمل دوما هو المجتمع عليه، الكثيرون يمقتون مطر والأغرب ان محبي جويدة -قافية الحنايا والمنايا وزمن العار تكاد تقتلني- كثر ربما يعترض من حولك علي السياب تعترض انت علي عبد العزيز شرف تهيم بمحمود درويش ولا تهتم بنزار فقط أمل استثناء


    امسك دماغك اوي
    كلبش في احلامك
    حلوة

    توقعت انه يسبقك في الطب بدفعتين وكذا الشعر اذن قصيدة النثر التي لا أهضمها ..أدونيس والحاج نقاشاتي السخيفة مع والدي فوضي الاوزان الخليلية والانتظام والايقاع ..ان تدافع عن فكرة لا تهضمها فقط تدافع عن حقها في التواجد ..وبعد ان تثبت وجهه نظرك ..تطوي الصفحات وتخرج احلام الفارس القديم و .. وتحلم

    كدت اكتب عن نمطية شعر الانتفاضة وبراعة سلقة وعن عليه الجعار وحجازي ..تذكرت اني لم اقرأ احلام الفارس منذ زمن

    تصبح علي خير

     
  • At Wednesday, January 31, 2007, Blogger Diyaa'

    مينفعش صاحب ؟

     
  • At Wednesday, January 31, 2007, Blogger Diyaa'

    علي الأقل هو قرب..
    وعلي فكرة الزيارة مش لازم معناها سماح..عشان أقول مسامح لازم اتأكد من حاجة معينة ..
    :))سلام يا بتاع أمينة