Sunday, March 31, 2013,04:48
لحظةٌ رائقة
أفضِّلُ فريدًا على حليمٍ بما لا يُقارن. يتبدّى لى الأولُ كرجلٍ يرقّ، أما الثانى فيُفْرطُ فى العاطفية، التى قد تبلغ – أحيانا – حدّ التقزز، خصوصا حين تقترنُ بالخنوعِ والمبالغةِ فى عقْدِ الجبين. أفضِّلُ فريدًا على حليم، وأفضِّلُ من يفضّلون فريدًا على حليم.

***

أكابيلا "كلمنى طمنى" حالةٌ متفردةٌ – تماما – فى الغناءِ العربى: لحنًا ولونا، غير أن ما يضاعفُ من بداعةِ هذه الحالةِ صوتُ فوزى ذاتِه. من أىِّ عمقٍ من أعماقِ الشجنِ تأتّى له هذا الأداء؟! صوتُ فوزى الذى أستمعُ إليه فى هذه الأغنيةِ نادرٌ بما لا يُقارن، ولستُ أحسبُ أن بلوغَه ممكنٌ إلا فى نهاياتِ العمر، حين تعى الذاتُ قربَ انسدالِ الستار. من نفسِ هذا النبع، نضحتِ الأعمالُ الأخيرةُ لمحمود درويش.

***

أمتنُّ لمن زيّنوا طفولتى بالأغنياتِ، وهم كثر، إلا أن أحدَهم لم يدفئنى – طفلا وكهلا – كعفاف راضى. ولسببٍ لا أدريه ما زالتْ "ياللا بينا" – تحديدًا – أكثرَ أغنياتِها قدرةً على الارتدادِ بى صوبَ هذا الزمنِ الذى راح. ولسببٍ لا أدريه ما زالتْ قادرةً على أن تشيعَ بداخلى هذا الحزنَ العظيم.

***

التحدى الأنثوىُّ الواثقُ – على دفئِه – والدافىءُ – على ثقتِه – الذى تبديه شادية فى "إن راح منك يا عين" .. لو وُجِّهَ لى، لسلّمْت. وسأكون ممتنًا – ممتنًا جدا – لو كافأتْ إذعانى بـ "على عش الحب".

***

ما كان بمقدورِ أحدٍ أن يبعثَ كل هذه الحيويةِ التى تجيشُ بها "طاير يا هوا" سوى محمد رشدى. صحيحٌ أنها تدينُ – فى قسمٍ كبيرٍ منها – إلى لحنِ بليغ، لكنّ صوتَ رشدى المحبّ للحياةِ صار اللحنَ إذ يستحيلُ صوتا بشريا.

***

ربما يضحككم ذلك، لكنْ لو صحّ أن فى كل أنثى رجلا كامنا، وفى كل رجل أنثى كامنة، فليس سوى ليلى مراد من يستطيعُ استحضارَ الأنثى التى بداخلى بـ "الحب جميل". أتخيلنى أنثى (بشعةً) ممدّدةً على سريرِ الحلمِ – كالبنات – سارحةً فى الحبيبِ المرتقب، تماما كليلى فى الفيلم. هكذا، بشعرها المميز، وشفتيها الغريبتين.

***

كفانى ثرثرة، ولنتشاركْ – لو أحببتم – أكابيلا فوزى. تبدو ملائمةً – تماما – للحظةِ الانبساطِ التى أجدُها الآن، والتى لا تتكررُ كثيرا. (بسمةٌ رائقة)

 
Posted by Muhammad | Permalink | 15 comments
Thursday, March 28, 2013,17:29
رؤيا
أغرتْنى حميميةُ البُنِّىِّ فى حلمتيها المنتصبتينِ بتأثيرِ الشهوةِ المنسحبة – أغرتنى ببسمةِ الفرح. كنا عاريينِ، وكنا متعبين، وكانت إلى جوارى مُتثنّيَةً كموجةِ بحر. عرفنا الحبّ كما لم نعرفه من قبل، حتى أطفأْنا – كلٌّ فى ماءِ الآخرِ – ألسنةَ المرارة. انكشفْنا وتكشّفْنا، وصرنا فى لحظةِ الأورجازم إلى حالٍ من الاتحاد، بعد أن حللْتُ فى بدنها – حرفًا – كصوفىٍّ يفنى فى المعشوق. ذهلْنا عن الكونِ والزمن، وقاومْنا الموتَ بقذفِ الحياة، حتى لكأننا متمردَينِ فى ثورة.

صوت: الجنسُ ثورةٌ وتصوفٌ وانكشافٌ وتكشّف. الجنسُ طقسٌ ديونيسىٌّ يتأسسُ (وينتهى) فى الحبِّ والمغامرة. ولفتةُ الأنثى بالمباعدةِ بين فخذيها هى أرقى صورِ الهوسبيتاليتى – حفاوةِ الاستقبال.

صهلْتُ فحمحمَتْ. وارتعشَتْ حين مددْتُ يدى. سَرَى فى جلدِها الحسُّ حتى مسّ الروح. وهناك، عند التقاءِ الروحِ بالجسد، كنهرٍ فى فضاءِ المصب، كانت أسطورتُنا الممتزجةُ بالعَرَق. صعدْتُ وهبطتُ، وصعدْتُ وهبطتُ، ثم انقلبْنا، فغمرتْنى الموجةُ، وتركَتْ على بعضى أثرًا من بلل.

صوت: كلُّ جنسٍ لا يمورُ بالموسيقى لا يُعَوّل عليه. وكلُّ جنسٍ لا يتجاوزُ ذاتَه لا يُعَوّل عليه. الجنسُ قبولُ خلعِ الأقنعةِ أمامَ آخرَ يقبلُ بخلعِ أقنعتِه. عُريانِ مُندغمانِ فى عرىٍ واحدٍ يصّعّدُ بالتأوّه.

ظهرتِ الغجريةُ فى شعرِها المهوّشِ الذى اعتلاه غبارُ السنابك. غابةً كان، وكانتْ أصابعى ظِباءَ تسرحُ فى الرفاهِ والأمن. تحسسْتُ عينيها المغمضتين، فاختلجَتْ شفتاها فى أنينٍ مكتوم. عذبتُها باللذةِ حتى اختمرَتْ، وتكوّرَ كوبا ثدييها كرغيفينِ أنضجتْهما الرغبة. وحين مشيْتُ بأناملى – ارتحالا – فوق ردفِها المكتنـز، مالتْ يسارا، وكشفتْ – رويدًا – عن وردتِها فى تَفَتُّح. فمسَسْتُ.

صوت: الأورجازم رؤيا لا تقبضُ عليها اللغة. وكلما اتسعَتِ الرؤيا – يقولُ النفرىّ – ضاقتِ العبارة. الأورجازم أتونٌ تنصهرُ فيه اللذةُ والألم، والحياةُ والموت، والميلادُ والفناء، والحضورُ والغياب، والروحُ والبدن، والوجدانُ والحس، والفرحةُ والحزن، والمرارةُ والسُّكّر، والأنا والهو. الأورجازم عمقٌ ووفرة.

دفعتْنى، فاندفعْتُ. وفردَتْ ذراعىّ، فانفردْتُ. وضعَتِ الكفينِ على الكفين، وشبّكَتِ الأصابعَ، فانشبكْتُ. غمرتْنى، فانغمرْتُ. وكانت فاعلا، فانفعلْتُ. كنا – توازيًا وتواليًا – فاعلا، ومفعولا به، ومفعولا فيه، ومفعولا معه، ومفعولا لأجله. كنا مفعولا مطلقًا مؤكدًا للفعل. كنا الحروفَ، وكنا القواعدَ، وكنا اللغة.

صوت: تواصلُ الجنسِ لا يُحتاجُ معه إلى بيان؛ فبيانُه فيه، وبيانُه هو. وهو جدلىٌّ يخضعُ لتبادلِ التأثيرِ والتأثر، حتى الذروةِ التى تحصلُ عند كاملِ الاندماج، وبالاندماجِ تنتجُ طاقةٌ، وينتجُ مركّبٌ يحتوى على (ويتجاوز) الكيانين.

وضعَتْ قدمًا على قدمٍ، ونظرَتْ إلى السقف. وإلى جوارِها كنتُ مضطجعًا على يمينى، ساندًا خدى إلى الكف. تأملتُها كحلمٍ مراوغٍ، وانعقدَ لسانى، فاتشحْتُ بالصمت. أمررْتُ طرفَ سبابتى فى عريها، وكأننى أخترعُ تشكيلاتٍ وتهاويم. رسمْتُ نهرًا يجرى من الشفتينِ إلى أسفلِ البطن. رسمْتُ وردتين على القُبّتين. رسمْتُ فراشةً وقطتينِ طفلتينِ متداخلتين. رسمتُ حقولا من برسيمٍ وقمح. صارتْ واديًا – غيرَ مأهولٍ – من زرع، وكنتُ شريدًا لا وطنَ لى، فحللتُ فيه، وانحللْتُ. وسكنتُ فيه، واستكنْت.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 12 comments
Wednesday, March 27, 2013,17:23
لستُ منك، ولستَ منى
ما كان عليكَ من حرجٍ لو أنك اتبعتنى، لو أنكَ آمنتَ بى واتبعتنى. ما كنتُ لأعدَكَ بطريقِ الوردِ الأبيض، لكنى كنتُ لأعدَكَ بطريقِ الوردِ الأزرق. كنتُ لأعلمَكَ مما عُلمتُ رشدا، وكنتَ لتعلمَنى مما عُلمتَ رشدا. غير أنكَ نظرتَ فى الأشياء فتبدتْ لك أجملَ منى. آثرتَ الانسحابَ وآثرتَ السلامة؛ لأنك... لأنى.... وكنتُ أحسبُ – واهما – أنك أنى. فإليكَ عنى. ما أنا منك، ولا أنتَ منى.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 10 comments
Sunday, March 24, 2013,11:10
كل هذا الأسى
الأسى فى القلب، ورمادُ التبغِ فى الفمِ والرئتين، فأنّى للكبدِ ألا يتقرّح؟

ولى كبدٌ مقروحةٌ من يبيعنى
بها كبدًا ليستْ بذاتِ قروحِ
أباها علىّ الناسُ لا يشترونها
ومن يشترى ذا علةٍ بصحيحِ

غير أن العلماءَ المكتشفين حين بحثوا عن "الصحيحِ" لم يجدوه؛ فحين ضربَ طوفانُ الأسى الأرضَ فى عصورِها الأولى، لم ينجُ أحد.

كانت الديناصوراتُ العملاقةُ، وكان البشر. ارتفعَ الماءُ حتى جاوزَ التراقى، وبانحسارِهِ فتش الباحثون، فلم يجدوا ديناصورًا إلا وقد أهلكه الموج. وحده ابنُ آدم الذى صمد؛ إنه كان ظلوما جهولا.

ظلتِ السلالةُ تبحثُ حثيثا، رغم محكوميّتها – ابتداءً – بالمعاناةِ والكَبَد. وبعد أزمنةٍ متطاولةٍ من السعىِ المحموم، أجرى العارفون التجارب. كانت النتائجُ مذهلة؛ امتلأتْ أنابيبُ الاختبارِ والسحاحاتُ والدوارقُ المخروطيةُ بمزيدٍ من الأسى. تحولتْ أوراقُ العَبّادِ – الحمراءُ والزرقاءُ – إلى البنفسجىّ. واعتبرَ الكيميائيون ذلك تأكيدًا لما أقرته الفيزياءُ الحديثةُ من ارتفاعِ منسوبِ الحزنِ فى القلب، وتمدُّدِهِ مع الكونِ المتمدد.

وحين تُقُبِّلَ قربانُ هابيلَ، قتله أخوه، ولما لم يدرِ ما يصنع، استلهمَ الغراب. تعلمَ الإنسانُ الرثاء، فكانت ذاته أول ما رثى.

غيرُ مُجدٍ فى ملّتى واعتقادى
نوحٌ باكٍ ولا ترَنُّمُ شادِ

وذلك أن النوحَ والترَنُّمَ يمتزجان فى مُرَكّبٍ أسيان، يعلنُ عن حقيقةِ هذا الوجودِ الذى لا يمكننا أن نطمحَ فيه إلى أكثر من الغبطة. إن مملكةَ المسيحِ ليستْ من هذا العالم.

ولولة: أمواتٌ أبناءُ أموات. حاملون يحملُ بعضُنا بعضا، والفراقُ – تقولُ عمتى – صعيب. محكومون بالغياب. محكومون بالرحيل. محكومون بأن نراهم فى العنفوان الذى تدهمه السيرورةُ حتى يتفصّدَ من مسامِ البدن، فينسربون – أمام أعيننا – من راحةِ اليدِ كحباتِ رملٍ ينسربُ معها القلبُ من محبسه، والعقلُ مُنشَدِهٌ – فى العجزِ – ذاهل. محمولون أبناءُ حاملين، وحاملون أبناءُ محمولين، وفى نهايةِ الشوطِ ينزعونهم من ذواتنا؛ ليوسدوهم الأرضَ التى أنبتتْ كل محمولٍ وحامل، فكأنهم ينزعون الفِقارَ التى تقيمُ الظهر، إذ يضعونهم – مُكفّنين – فى الأمِّ/الرحم. ومحكومون أن نواصل – وحدنا – هذا التعب، أن نواصلَ – وحدنا – هذه المسيرة. يا صاحبى .. هذه المسيرة.

يالله! فى نصفِ نهار! كل هذا الحزنِ فى نصفِ نهار!
 
Posted by Muhammad | Permalink | 4 comments
Monday, March 18, 2013,18:40
سُدَى
لستُ أعرف من الشعرِ بيتًا هو أبعث على الحسرةِ الناجمةِ من إدراكِ خيبةِ بطلانِ السعى من بيتِ ابن الفارض الشهيرِ فى ميميته: إن كان منزلتى فى الحبِّ عندكمُ ... ما قد رأيتُ، فقد ضيّعتُ أيامى.

هكذا، إذ تتحولُ أمنيةُ العمرِ بأكملِه إلى أضغاثِ أحلام، كما يستطردُ ابنُ الفارض، بعد أن بارتِ الصفقةُ القائمةُ على مقايضةِ "أيامى" لقاءَ "منزلتى فى الحبِّ عندكمُ"، لتتبدى فداحةُ الخسرانِ فى وعىِ قيمةِ المقايَضِ به، الذى هو وجودُه – الأوحدُ – على هذه الأرض، فى مقابلِ "المنزلةِ" التى لا يتحققُ منها شىء، أو التى تقصرُ – فى أفضلِ الأحوالِ – عن بلوغِ المأمول.

إذًا، تنقضى الأيام، ولا يبلغُ السالكُ المنزلةَ/الغايةَ التى توهّمَ إمكانَ حصولِها، فيكونُ خاتَمُ الخيبةِ الثقيلُ الوقع على فؤادِ الروح، ويعزِّزُ ثقلَه انقطاعُ أملِ العودة، واستحالةُ الاسترداد.

ومما يُعزِّزُ الحسرةَ – كذلك – توهّمُ السالكِ إحسانَه الصنعَ من حيث كان – غافلا – فى الضلالة، وهو ما تعبرُ عنه آيةُ "الكهف" – فى بلاغةٍ – فى معرضِ تقريرِها للأخسرين أعمالا، "الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". إنها فجيعةُ المطمئنِ إذ يُواجَهُ – فجأةً – بالسُّدَى.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 0 comments
Friday, March 15, 2013,00:04
عِظَةُ الجَبَل
كلُّ مكانٍ مظلمٍ بحاجةٍ إلى مصباح، والمصباحُ لا يحمله سوى إنسان، ومصباحُ الإنسانِ قلبُه. فسيحوا فى الأرضِ بقلوبٍ وضاءة، وانظروا إلى كلِّ ركنٍ بعينَى الحبِّ والرحمة، تُنرْ بكم الأرضُ التى وهبكم الربّ.

صوت: نظر الحواريّون فى وجوهِ بعضِهم البعض، ثم حطتْ عيونُهم على الأرضِ فى خجل، وكأن كلّ واحدٍ يقول فى نفسه: إن المعلمَ يبالغُ فى تقديرِ خبيئتنا، التى أوشك زيتُها على النفاد، وفتيلُها على الانطفاء، بعد أن ابتلعتْها ظلمةُ الأماكن.

أنتم ملحُ الأرض. كُلُّكم ملحُ الأرض. الإنسانُ ملحُ الأرض. فلا تفسدوا الأرضَ بصيرورتكم شيئًا آخر، فالأرضُ غذاؤُها الملح.

صوت: ظل المعلمُ يكرر "الملح" حتى أحسوا بالملوحةِ توشك أن تتفصدَ من مسامِ أرواحهم، فبالغوا فى الكتمان، خشيةَ افتضاحِ أمرِهم فى عينيه.

أنتم عسلُ الحياةِ وشهدُها الذى لولاه ما احْلَوّت. أنتم الوعىُ القادرُ على تلقّى الوجود. فلا تبيعوا أنفسَكم لقاءَ ثلاثينَ من فضة، تُهفهفْ أرواحُكم حوّامةً فى أجزاءِ الكونِ المتفتحِ للطالبين، وتحْلُ فى قلوبِكم الحياة.

صوت: كانوا قد باعوا أنفسَهم بأقل من ثلاثينَ فضة، غير أنهم لم ينتبهوا لفداحةِ الخسرانِ الذى تضمنته الصفقة، إلا فى هذه اللحظةِ التى قال فيها المعلمُ كلماتِه تلك، وهو واقفٌ – يبشّرُ بالداخلين إلى مملكتِه – على الجبلِ المهيب.

يدخلُ مملكتى من حملَ المصباح. يدخلُ مملكتى من أبقى على الملح. يدخلُ مملكتى من احلوّتْ فى قلبِهِ الحياة. وليس يدخلُها من أنكرنى قبل أن يصيحَ الديكُ ثلاثَ صيحات.

صوت: بينما كان يصيحُ الثالثة، كانوا يغسلون أيديهم من الترابِ الذى علقَ بها من صَلْبِ المعلم.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 0 comments
Wednesday, March 13, 2013,00:04
Irreversible - أبى
هناك ضربٌ من الألم يستطيع الإنسانُ أن يقهره، فهو ألمٌ لا يُحتّمه الوجود، بل ينبعُ من تعنّتِ البشريةِ والنظمِ الاجتماعيةِ الظالمة. لكنْ تبقى بقيةٌ من معاناةٍ فرديةٍ محتومةٍ ليس لها دواء وليس منها مهرب، تفرضها حقيقةُ الموت. إن هذه المعاناةَ تعطى الحياةَ بعدَها المأساوى، أو قل هى المحيطُ المأساوىُّ الذى تسبحُ فيه الحياة – الكاتب الاشتراكى الألمانى إرنست توللر.

*****

كثيرا ما نتصورُ الذاتَ وكأنها كيانٌ مكتملٌ "جوانىٌّ" ينزع إلى مركزه الذى فى الداخل .. كجزيرةٍ منعزلةٍ تتماس والماءَ/العالمَ الذى يحوطها عند الأطراف، محتفظةً باستقلالها وتفرّدِها اللذين يميزانها عن الآخر/الموضوع. وربما صح ذلك لتصوير الجزء الأكثر ذاتية/شخصانية من الذات (إنْ وُجد)، إلا أنه يصعب تمييزُ هذا الجزء – على وجه التحديد – عن غيره من الأجزاء التى تشكل امتدادَها فى الآخرين والعالم. وبعبارة أخرى: ذواتنا ممتدةٌ فى الخارج، حتى إنها لَتعبرُ التخومَ المتوهمةَ التى تحيط بذوات الآخرين.

وولوج الآخرين/الأحبةِ من بوابة الموت إلى العالم الآخر يشعرنا بفقد جزءٍ "حقيقىٍّ" من ذواتنا. أقول "حقيقيا"؛ لأننى لست أقصد إلى التعبير عن هذا الفقد على نحو مجازىّ، بل على نحو أكثر اتصافا بالحرفية؛ فموت الأحبة موتٌ لنا .. موتٌ يصيب أحدَ أجزائنا بكل ما تعنيه الكلمة. ولأن موتَ الأحبةِ متكررٌ وحادثٌ بوفرة؛ فنحن دائموا فقدِ ذواتنا، ودائموا التوزعِ بين أجزاء الذات التى لا تزال فى هذا العالم، وتلك التى عبرت النهرَ إلى الشاطىء الآخر، الذى تتراكم عليه أجزاؤنا – العزيزةُ – المفقودةُ للموت.

تنزع الذاتُ الموزّعةُ بين العالَمَين إلى التكامل وإعادةِ لَمِّ الشمل، ولما كانت الحركةُ دائبةً فى اتجاهٍ واحد: من الـ "هنا" إلى الـ "هناك"، دون أملٍ فى العودةِ المقطوعِ باستحالتها، كأبشع ما تكون الاستحالة .. لما كان ذلك كذلك، فإننا نصل – حتمًا – إلى النقطة التى نبدأ معها فى اشتياقِ الرحيل؛ رغبةً فى لقاء الغائبين/الأحبة، وتوقًا إلى عودة الوحدةِ التى شطرها الموت .. وحدةِ الذاتِ التى لا تعرف الطمأنينةَ ما عرفت التشظى والانشطار.

لو كان لى أن أُعَرِّفَ النسيان، لما قصرتُ تعريفَه على "عدم التذكر"، بل لكنتُ أكثر ربطا بينه وبين "الألفة"؛ ألفةُ الأشياء نسيانٌ لها. ونحن لا نعبُر التجاربَ العصيبةَ بعدم تذكرها، بل بإلفنا لها. ما من أحدٍ لا يعرف أن الموتَ هو المصيرُ المحتومُ الذى لا فرارَ منه، غير أن طولَ إلفِنا لهذه الحقيقة قد أفرغها من المعنى. ونحن لا ننسى أجزاءنا المفقودةَ للموت/الأحبةَ بصيرورتنا إلى عدم التذكر، بل بفغرِ أفواهنا – فى البدء – غير مصدقين، حتى يتتابع الزمنُ فى رحلته، فتكون الألفة، وحين نفيق من وقع الصدمة، فنبدأ فى إدراك ما يعنيه رحيلُهم، تكون الألفةُ قد تكفلتْ بالجرح، فنعبُر التجربة. إننا نعبُر التجربةَ بوعى مخدّر، وخدرُه الصدمةُ (المفضيةُ إلى عدم التصديق)، ثم الألفة. يقول عبد المعطى حجازى: هذا أوانُ البكاءِ على الراحلين ... غير أن الزمانَ مضى ... والذين افتقدناهمو حين ماتوا ... ألِفْناهمو ميتين.

*****

أتذكر – الآن – ما كان من أمر عمر إثر وفاةِ النبىّ. لقد كان موقفُه إنسانيا تماما. أصابته الصدمةُ بما يشبه ما أشرتُ إليه – آنفا – من عدم التصديق، بعد أن حُجبَ عن ذهنه الإدراكُ "الحقيقىُّ" للواقعة. وقف عمر يقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات. ووالله، ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات.

لكن النبىّ كان قد مات. وكان ذلك أكثرَ اتضاحا فى ذهن ابن أبى قحافة منه فى ذهنِ ابن الخطاب. غير أن معنى الخروجِ الذى تعقبُه عودةٌ، والذى أشار إليه الفاروقُ، كان قد دهمنى إثر موتِ أبى. تشوشَ الإدراكُ فاستوعبتُ الواقعةَ وكأن أبى قد خرجَ لقضاءِ حاجة، ثم ستكون عودةٌ عن قريب (أو بعيد). [لم أتخلص من أثرِ ذلك حتى الآن].

دخل الصِّدِّيقُ على عائشة، فقبّل نبيه وبكى، ثم خرج، ولما تشهّد أقبل الناس إليه، وتركوا عمر. قال أبو بكر: من كان منكم يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حى لا يموت. ثم تلا قوله تعالى "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين" – آل عمران.

أصابت كلماتُ أبى بكر بؤرةَ الإدراك من عمر. يقول أميرُ المؤمنين: والله، ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعرفت أنه الحق، فعقرت حتى ما تقلنى رجلاى، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبى صلى الله عليه وسلم قد مات. أقول: أصابت كلماتُ أبى بكر بؤرةَ الإدراك من عمر، ومحتْ غشاوةَ عدمِ التصديقِ التى أحدثتها الصدمة، لتتركَه وحيدا فى مواجهةِ الحقيقةِ إذ تتكشف للوعى على هذا النحو. حينئذ، لم تقله رجلاه.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 2 comments
Sunday, March 10, 2013,10:09
أبى - سريالية
نبتت فى عينىّ البارحة سبعُ زهراتٍ بنفسجية، أكلتْهن سبعُ ورداتٍ بيض .. سبعُ زهراتٍ من فُلٍّ أبيض، وورقاتُ برسيمٍ من الحقل الذى بجوار مسجدِ الزاوية. أنظر عبر الحقول وأرى التوتةَ والترعة. أشتاق العبورَ إلى أماكن الكبار التى رادها أخى الأكبر، وأبى يحذرنى من السقوطِ فى الماء.

فى الميدان الذى احتلته نافورةٌ يسكنها البومُ أكوامٌ من قشٍ أصفر فاقعٌ لونُه. أتمرغُ فى كوماتِ القشِّ كحمارٍ يستحم فى بركةِ تراب، فتشتكى أمى اتساخَ الملابسِ التى ارتديتُها منذ ساعات. وصوتُ الغسالةِ العاديةِ يدفىء نومى فى الحجرةِ الصغيرةِ ذاتِ الشباك.

الإزعاجُ الحميمُ لباجور السادسة صباحا فى الشتاءات المدرسية. أصابعُ البطاطسِ المحمرة تتأوه فى غليانِ الزيت، و "فانتاستيكا" تتماوج فى دخانِ الصالةِ عبر الأثير. حذائى مثقلٌ بطينِ الطريق، وصوتى يصّعّدُ بالقرآن فى الإذاعة المدرسية، بينما يبكى لتلاوتى "محمد عثمان".

قطعةُ الخشبِ المتدليةُ بحبلين متينين من تعريشة السطوح .. أرجوحةُ الفقر. والدراجةُ القديمةُ التى احْتَلْنا لإعادتها للحياة. أُبدِّلُ فى فرحةٍ ويتبعنى أخى الأكبر فى الشوارع العارية من الأسفلت. وأختى فى "تاييرها" البيج قمرٌ لا أشاركُه ملامحَه. تصحبنى إلى "أم بشرى" التى تضع على الحائط رفا مُدرّجا كالسُّلم، وصورةَ الفتى الحزين الذى يتبولُ فى العراء، أو يكشفُ قليلا عن إليتيه البريئتين.

شَجُّ الرأس فى زاويةِ حائطِ الدرسِ القديم. سيلانُ الدم، وملعقةُ البُنِّ التى تكتمُ الجرحَ ولا تكتمُ الأنين. وفى بيت صديقةِ أمى أختبىء و "أحمد" فى مكمننا الأنيسِ كالرحم، حيث لا تطالنا لسعاتُ الشمسِ وسيرورةُ الأيام.

زِىُّ العيدِ الفائتِ للعيدِ الجديد، ودراجةُ أبى التى لا يُسمحُ لى بها فى غيرِ الأعياد. مسدساتُ "الحَبَشِ"، وصاحبى الذى يتعقبنى لاهثا؛ لأن أباه الصولَ لا يملك دراجةً كأبى، و "قمر، أكبر، أنطونيو" على شاشةِ الثانية، وجرابُ "أميتاب" لا يخلو من الحِيَل.

السلالمُ التى تذرعها صعودا وهبوطا قريبتى القادمةُ من الريف. تشتبكُ أيدينا على جسرِ البلدة ونحن نغنى للعروسة والعريس. أخوالى يلعبون الكُرة، وفى المساء تنبح الكلابُ وتقطع علىّ الطريقَ إلى دكانِ الحلوى الذى يرقد فى وداعةٍ أمام الجميزةِ القديمة. وشجرةُ الغابِ العتيقةُ عند مدخلِ الدارِ ترحب فى صلابةٍ بالوافدين الراحلين.

تكعيبةُ العنبِ المتداخلةُ أمام بيت عمتى، و "عماد" يصحبنى إلى نادى السينما لمشاهدةِ أفلامِ الغربِ الأمريكى. أجفلُ لحباتِ الذرةِ التى يلقيها الممثلُ ناحيةَ الكاميرا. وأدخرُ قطعةَ الـ "سامبا" لقريبتى التى تملك اللِعَب. أخذَتِ السامبا لكنها لم تسمح لى بإدارةِ الطائرة.

النحلةُ التى جادتْ بحياتها لتلسعنى بذلك الشىءِ الأسود. تتقدُ النارُ فى ذراعى حتى تفركَها جدتى وتُخرجَ الشىء. تعطينى تفاحةً فى الخفاء. آكلُها فأدخل الجنةَ الممتدةَ من خلفِ الدارِ المبنيةِ باللَبِنِ حتى البحر. ترمقنى الجاموسةُ حزينةُ العينين فى ترقب، وأنا أمرُّ فى حذرٍ خشيةَ رأسِها النطّاح.

رجفاتُ جسدِ أبى الباكى لفقدانِ صغرى أختىّ إلى الموت. أصحو فى الظهيرةِ بعد انتهاء مراسمِ الدفن. أجهلُ الطريقَ إلى قبرها المندرس، وبصرى شاخصٌ – وأنا على المصطبةِ – صوبَ أشجارِ الموزِ التى يسكنها الذئبُ والجان. يترقرق الماءُ فى الأناية فأفرحُ بالسيولةِ والخرير. و "محمد رضا" يحذر "عبدَ السلام" من خطورةِ البلهارسيا، فأخشى غمرَ ساقىّ فى الماءِ الذى يحملُ البيض.

بقلظُ الطفولىُّ الذى أنتظره فى السادسةِ من مساءاتِ الخميس. وماما نجوى بشعرها المصففِ كالرجال. يستعرض بابا ماجد الطيبُ رسوماتِ الأصدقاء، وفى الفصل يبزُّنا "حازم" فى الرسمِ والتلوين. يغضب الأستاذ "ناجى" لسخريتى من طريقة "عمرو" المفتعلةِ فى إلقاءِ الشعر. وقل أنا أمشى فيسبقنى المسير. أخطو كخطوةِ نسمةٍ فوق الحرير. لكننى لا أدرى شكلا للهدف. ياللأسف! أضحك لسِنتمنتالية الأداء. وعلى السُّلمِ العريضِ أغنى فى قميصى الأبيض للعروبةِ والوطن.

الدِّيَكَةُ الروميّةُ على سطحِ بيتِ خالتى. أقول كُرْكُرْكُرْ، فتتجاوبُ معى كُرْكُرْكُرْ كرجعِ الصدى. تنقرنى فى زِيى الأحمر، وأنا ممسكٌ بالمقشةِ أطاردُ الديكَ الصيّاح على سطحنا حتى تدمى قدماه. هدّدتُه بإعادةِ الكَرّةِ رغم الندم. والأرانبُ الطيبةُ مستسلمةٌ فى حِجرى فى وداعة. أعدُّ شواربَها حتى تموتَ بالحُب، وتصير الواقعةُ مَعيرةً بين أبوىّ وإخوتى.

تبوُّلٌ لا إرادىٌّ بعد سنِّ المدرسة. وكلمةٌ نابيةٌ أجهلُ ما تعنيه فأحشرها فى محاكاةٍ لاهيةٍ لأغنيةٍ ذائعة. تسألنى أختى عن المعنى، ويصفعنى أخى. فى الليل يرجونى أن أبيتَ بجانبه، فأهرب إلى أختى التى تحكى لى الحواديت التى لا تكتمل.

نبتت فى قلبى البارحة سبعُ ورداتٍ بيض، أكلتْهن سبعُ زهراتٍ بنفسجية. وأبى يسقطُ من التعريشةِ على الأرض، فنضحكُ، حتى يعاتبَنا بالنظر. ومن شباك عمتى المطلِّ على الأخضر، أرى شواهدَ القبورِ عند أطرافِ الحقل. هناك، حيث يرقدُ جدى، وحيث سيرقدُ بعد سنواتٍ بعيداتٍ أبى.
 
Posted by Muhammad | Permalink | 2 comments
Thursday, March 07, 2013,00:22
أبى - فجيعة
إذًا، تركْتَنى يا حاج على! وبينما كنتُ أصلى لله الذى فى السماء أن يردك لى، كنتَ تلملم أطرافَ ثوبك وأعمالَك الصالحاتِ إيذانا ببدء رحلتك البرزخية، وركوبِ دربِ معراجِك إلى السماء. إذًا، تركتنى يا حاج على! وكنتَ الشجرةَ التى تطفو بى فى ماء الحياة، وتعلمُ أننى لا أجيد العوم. إذًا، تركتنى يا حاج على! وتركتَ لى عصاك التى كنتَ تتوكأ عليها، وتهش بها عن غنمك غوائلَ الأيام، غير أنك لم تترك لى – برحيلك – عصاى. إذًا، تركتنى يا حاج على! ولأول مرة أستشعر المعنى الحقيقىّ لانكسار الظهر. إذًا، تركتنى يا حاج على! وحملتَ معك وهمى القديمَ عن خلود الأبوين؛ لأكتشف – بغتة – أن الآباء – كسائر أبناء آدم – يروحون فى الرائحين. إذًا، تركتنى يا حاج على! وازداد الفزعُ من هذا الوجود الذى لو خلا من كل مأساة لكفته مأساةُ الموت. إذًا، تركتنى يا حاج على! ففقدتُ – برحيلك – جزءً غاليا من ذاتى للموت، وبدأتِ البذورُ الحقيقيةُ لاشتياق الرحيل الذى هو الاكتمال، بعد تشظى الذات بين عالمين. إذًا، تركتنى يا حاج على! والذبحةُ التى فى القلب ستظل على امتداد العمر، والغصةُ التى فى الحلق لن يبليها سوى دود القبر. إذًا، تركتنى يا حاج على! وليس يسلى القلبَ سوى إحسان ظنى بإلهى الرحيم الذى يعلم ما احتملتْه هذا الكينونة/كينونتُك من هَمٍّ وهَمّ. إذًا، تركتنى يا حاج على! وليس يجدى مبلغُ الرجال – الذى بلغتُ – فى دفع اليتم. إذًا، تركتنى يا حاج على! وانفتحتْ عيناى – فى رعب – على حقيقة الموت التى تَبيّن لى أننى ما عرفتها – على كثرة الفكر فيه – من قبل – قط. إذًا، تركتنى يا حاج على! وما برح انسحابك مراوغا وعصيا على التصديق، وإن اعتلتنى – فى لحظاتٍ – دهشةُ الإدراك الذى يخزّ اللحم. إذًا، تركتنى يا حاج على! وما عاد ممكنا أن أكون "محمدًا" القديمَ الذى يضرب فى الأرض مطمئنا إلى الغطاء الذى يقيه النصالَ التى تتعاقب فوق النصالِ من أمامٍ وخلف. إذًا، تركتنى يا حاج على! ولستُ ألومك للرحيل؛ فقد حُقّ لهذا الجسدِ المنهكِ – كما أخبرتُك فى الأيام الأخيرة، وأنت لا تسمعنى (أو لعلك فعلت) – أن يستريح من كل هذا الكَبَد، ولهذه الروح التواقةِ إلى كنفِ بارئها – الذى أقبلَتْ عليه – أن تطمئن. إذًا، تركْتَنى يا حاج على! تركْتَنى!
 
Posted by Muhammad | Permalink | 6 comments